فيصل يوسف*

أثار لقاء السيدة نجاح العطار ، نائبة السيد رئيس الجمهورية ، بوفد كردي سوري ردود أفعال عديدة ، بين متشكك سماه بعضهم بلقاءات المرة الواحدة التكتيكية التي لا تتكرر ، ولا تثمر عن شيء !، وبين متحفظ يراهن على النتيجة ، وآخر يشيد بها لأنها المرة الأولى التي تستقبل " شخصية سورية رسمية رفيعة المستوى " وفداً من الحركة السياسية الكردية ، وتبحث معه سبل إيجاد حل ولو" لقضية" ليست لها علاقة بالحقوق القومية الكردية الكاملة ، إلا أنها الأبرز- منذ عقود- بالإضافة لمشروع الحزام العربي بين السياسات التمييزية التي استهدفت حقوق الكرد الوطنية ، حيث يتمتع بها غيرهم من أبناء البلاد .

إنه لأمر هام وجيد أن تتحاور السلطة مع قيادة الحركة الكردية في سوريا ، بغية إيجاد الحلول العادلة والديمقراطية للقضية الكردية في سوريا، لأنها أصبحت اليوم في مقدمة القضايا الملحة التي تتطلب من السلطة وقفة جادة ومسؤولة ، للبتّ في هذا الملف الذي عقدته السياسات الشوفينية وبقيت بعيدة عن متناول اهتمام المعنيين على صعيد السلطة ، وبعض المعارضة أيضاً ، حتى أصبحنا اليوم أمام أجيال من أبناء الشعب الكردي، ولدوا في ظلّ المشاريع التي تشعرهم بالدونية في وطنهم الأم ، وخلقت لديهم أفكاراً وتصورات مختلفة عن أفكار آبائهم وأجدادهم .

فأيّ مراقب للشأن الكردي السوري سيلاحظ ودون أيّ عناء ، وكنتيجة للاضطهاد القومي الذي مورس – ولما يزل -بحق الكرد ، وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية والاقتصادية والقومية ، حالة الإحباط وفقدان الأمل ، لدى أوساط واسعة من قطاع الشباب الكرد وهو ما يدفع بهم إلى بعض ردود الأفعال السلبية أحياناً وتنمي لديهم الانعزالية والتعصب القومي والتطرف ، والتشكيك بشعار التآخي العربي الكردي والتباس مفهوم الوطن والمواطنة ، في أذهانهم وطرح الأسئلة حولهما، وهؤلاء الشباب -وجلهم من العاطلين عن العمل -حملة شهادات علمية، أو دونها لا يتورعون عن الإفصاح بعدم الثقة والتفاؤل بالمستقبل ، معللّين ذلك بعدم قدرة الأحزاب الكردية برفع المظالم عنهم وتحقيق مطالبهم القومية زهاء نصف قرن من الزمن مضى على تأسيس أول تنظيم كردي في سوريا ، وبأن مختلف القوى السياسية في البلاد سواء التي مارست السلطة أو التي لا تزال تمارسها اتفقت على صهرالكرد ومحو خصائصهم القومية وتجريدهم من كافة حقوقهم المشروعة ، وأبقت مناطقهم مهملة على الرغم من غناها بالخيرات والثروات الطبيعية ،

و مما زاد من المعاناة والشعور بالغبن والتوجس، والريبة لديهم ، لأنهم باتوا اليوم على اطلاع واسع بظروف حياة الشعوب الأخرى وأقرانهم من الشباب وما يتوفر لهم من أسباب الرفاهية والسعادة في زمن ثورة الاتصالات والعولمة ، حدت بأعداد غير قليلة منهم للهجرة إلى الخارج كحل لأزمتهم ، وعبروا عن استيائهم من الأوضاع في البلاد والسلطة، بالمظاهرات، والاعتصامات، وغيرها ،من ردود الفعل في الأوطان التي هاجروا إليها .

لابدّ من الإقرار بلا "سوية "وخطورة السياسات التي أفضت للحالات المرضية المذكورة ، والتي تنتشر ولا تزال بين أوساط الشباب الكرد ومسؤوليتها المباشرة ، عن عدم تحقيق الاندماج الوطني على أرضية الاعتراف بالتعددية القومية والسياسية لمكونات الشعب السوري ، وإغناء وتعزيز الهوية الوطنية السورية ، وأنه لمن دواعي الأسف والقلق أن يكبح جماح التوجهات الإيجابية في معالجة القضية الكردية في سوريا لدى السيد الرئيس د. بشار الأسد بأفكار وتصورات ، هي نفسها التي سوّغت إنتاج السياسات التميزية بحقّ الكرد في سوريا ، واستمرّ بتطبيقها حتى الآن، مثل مقولة: التسلل الكردي والانفصال و ..... والتي هي بمجملها- للأسف - مزاعم واتهامات باطلة لا صحة لها على الإطلاق، إلا بمفاعليها السلبية على حياة المواطنين عندما يؤخذ بها منهجاً في التعامل مع أبناء الشعب الكردي في سوريا . إن التشبث بالتقارير التي تتناول الوضع الداخلي في خارج سياقاتها الوطنية ، وتكيل التهم جزافاً بحق الكرد، لا تنتج سوى المزيد من الخيبات وتراكم الأخطاء والسلبيات ، ولا أدل على ذلك الإبقاء على قضية الإحصاء الاستثنائي وعدم حلها، بذريعة وجود" متسللين آخرين" سيتم المطالبة بتجنيسهم لاحقاً ، في وقت يعلم مروجوهذه المزاعم المغرضة بعدم دقتها، وأن سجلات المجردين من الجنسية السورية موجودة لدى مراكز السجل المدني في مراكز المدن بمحافظة الحسكة ، والخاصة بالإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة حصراً عام 1962م .

لا نذيع سرّاً إذا قلنا بأن وضع الكرد في سوريا كان أفضل من أوضاع أبناء جلدتهم في " الدول الأخرى " في السنوات السابقة لكن " التقارير الأمنية " التي أبت أن تبقي أوضاع الكرد السوريين دون معالجة في الأعوام اللاحقة جعلتهم في وضع متأخر عن كرد العراق وتركيا وإيران في مجال الحقوق القومية ، وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي ويساهم في إشاعة الآراء والأفكار اللاموضوعية ، والتي لا تخدم تعزيز وتمتين المتحد الوطني .

أيام قلائل تفصلنا عن الذكرى السنوية السادسة لتسلم السيد الرئيس بشار الأسد لمقاليد الحكم في البلاد ، وقد كان له خلال السنوات الماضية تصورات إيجابية لحل القضية الكردية في سوريا ، أفصح عنها بمناسبات عديدة ، وهي تشكل أرضية مناسبة للبناء عليه لو ترجمت بمشاريع قانونية ودستورية ، تقضي بإلغاء السياسات التميزية المطبقة بحق الكرد السوريين وفي المقدمة منها الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة عام 1962م ، والاعتراف بالقومية الكردية في سوريا كجزء من التاريخ السوري والنسيج السوري ، ومساواة الكرد بغيرهم من المواطنين في الحقوق والواجبات ..

يقيناً، إن ما سيصدر من نتائج إيجابية على أثر اللقاء المرتقب، والذي تم بين نائبة السيد رئيس الجمهورية وقيادات من الحركة الكردية في سوريا ، سيصب في مصلحة تعزيز الهوية الوطنية السورية ، وسيبعث التفاؤل لدى أبناء الشعب الكردي للعيش في وطنهم سوريا دون تفرقة أو تمييز ، وسيكون إنجازاً وطنياً وتاريخياً قد تحقق في المرحلة الراهنة من عمر البلاد ، لا سيما وأن حل القضية الكردية بات يشكل موضع إجماع بين مختلف القوى الوطنية ، ولاشك بأن عدم صدور نتائج ملموسة سيوسع من دائرة الاغتراب وروح الإحباط لدى أبناء القومية الكردية في سوريا ، ويعزز من تكهنات المشككين بمعالجة أوضاع الكرد في سوريا من جانب السلطة ، ويثني من عزيمة قيادات كردية ذات أفق وطني واضح، تسعى دائماً، من أجل حلول موضوعية، وعقلانية، لقضية الشعب الكردي في سوريا . * ناشط سياسي كردي سوري 24-6-2006
- المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها فقط