وجّه مسؤول مهم في احدى "ادارات" الادارة الاميركية اسئلة كثيرة عن الوضع اللبناني بكل تعقيداته الداخلية وتشابكاته الاقليمية، وتحديداً عن حلفاء سوريا القدامى منهم والجدد. ودار بحث حول تغير ميزان القوى في الداخل اللبناني، وإن في صورة جزئية، بين حلفاء سوريا والمناهضين لها من اللبنانيين. اغتنمت الفرصة لأسأله عن امكان نجاح سوريا في "عكس" (Reverse) الوضع الحالي في لبنان اي في اعادته الى ما كان بعد النجاحات التي حققتها في الاشهر الاخيرة عبر حلفائها. فأجاب: "نحن نواصل الضغط على سوريا، وسنتابعه وسنمنعها من محاولة اعادته الى ما كان قبل انسحابها منه في 26 نيسان 2005 اي لمصلحتها. لا مبادرات حاليا بيننا وبين سوريا. هناك الاتصالات الديبلوماسية العادية، وهي محدودة. ليس هناك شيء آخر معها". واضاف: "مع الرئيس الراحل حافظ الاسد كانت الامور مختلفة. ان خلفه في الرئاسة الدكتور بشار الاسد عاجز عن القيام بأي شيء، أو لا يريد القيام بأي شيء. انه يتصرف على انه ابن حافظ الاسد فقط. وهو لا يتصرف كرئيس او قائد او زعيم. لقد فقد الكثير من الصدقية والرصيد في العالم وأكاد أقول الاحترام وكذلك الامر في العالم العربي. العرب حائرون. فحيناً يتمنون ان يتلقى ونظامه "ضربات" موجعة لاعادته الى جادة الصواب، واحيانا يعملون لحمايته ونظامه اولا من نفسه، وثانيا من الآخرين. وفي اي حال لا ارى اي تطور للوضع في سوريا". ماذا عن اسرائيل ورئيس وزرائها "الجديد" ايهود اولمرت وخطته للانسحاب احاديا من الضفة الغربية؟ اجاب: "انتخب اولمرت قبل أشهر على اساس برنامج ارييل شارون الانسحاب من الضفة، لكن البرنامج لا يزال افكارا ويفتقر الى التفاصيل التنفيذية. لا اعرف اذا كان سيتمكن من تنفيذه. هناك جهات معه في التحالف الحكومي متمسكة بالحوار مع الفلسطينيين، اي مع السلطة الوطنية الفلسطينية لاعتبارها اياه المنطلق الجيد للتوصل الى نتائج. زار اولمرت واشنطن بعد انتخابه، وظن الجميع في المنطقة والعالم انه اتى ليحصل على موافقتنا على برنامج الانسحاب الاحادي المذكور وتاليا ليبدأ تنفيذه، لكن الامور لا تحصل على هذا النحو، على كل هكذا يفكر الشرقيون اجمالاً بمن فيهم الاسرائيليون. لقد تغيرت امور كثيرة، ابرزها اثنان. الاول، غياب شارون عن الساحة السياسية والعامة، بسبب المرض. والثاني، وصول حركة "حماس" الى الحكومة والمجلس التشريعي وسيطرتها عليهما".

هل تتوقع حربا بين الفلسطينيين؟ سألت. فأجاب: "هذا الاحتمال قائم. لكنني لا استطيع الجزم به. قد تتوصل الفصائل والمنظمات الفلسطينية الى تفاهم ما. لكن تفاهما كهذا لن ينهي النزاع بينها بل يرسي هدنة ما قد تكون قصيرة او متوسطة الامد. ولكن لا بد من ملاحظة امر بالغ الأهمية على الساحة الفلسطينية هو ان الاقتتال الفلسطيني – الفلسطيني كان خطا احمر عند الفلسطينيين، على تناقضهم. هذا الخط الاحمر لم يعد موجودا الآن، بدأوا يهاجمون بعضهم بعضاً ويقتتلون. انطلاقا من ذلك فإن المستقبل على الساحة الفلسطينية ليس مشرقاً، وفي حال كهذه نسأل كلنا في واشنطن: ماذا يستطيع ان يفعل محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية؟". وقبل انتهاء اللقاء عاد المسؤول الاميركي نفسه الى موضوع سوريا قال: "لا تنسَ ان هناك لجنة دولية تحقق في اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري، ويشكل ذلك في ذاته ضغطا على سوريا".

في "ادارة" مهمة اخرى داخل الادارة الاميركية التقيت مسؤولا بارزاً يهتم بالمنطقة ولبنان. تناولنا بالبحث الاوضاع الداخلية في لبنان والاوضاع الاقليمية عموماً ومدى تمكن سوريا من تحقيق نجاحات "لبنانية" معينة في الاشهر الاخيرة. ثم سألته: ماذا ستفعل اميركا لمنع سوريا من "عكس" الوضع في لبنان كي يعود في مصلحتها كالسابق؟ فأجاب: "سنواصل الضغط عليها. ولن نمكّنها من ذلك". وسأل: "لماذا توقفت الاغتيالات والتفجيرات في لبنان منذ مقتل النائب والصحافي جبران تويني، علما ان ادلة كثيرة او امورا كثيرة اشارت ولا تزال تشير الى اشتباه بدور سوري ما في هذا الاغتيال وغيره"؟ فاجبت: لقد تحسّن الوضع السياسي لسوريا في لبنان عما كان قبل سنة. وليست لها مصلحة في دفع اللبنانيين، على اختلافهم، الى الاصطفاف ضدها على النحو الذي كانوا عليه وكذلك في ارباك حلفائها الذين لم تصدق انهم قد يعودون الى الواجهة، علما انهم هم ايضا لم يكونوا يصدقون ذلك. وثانيا ان المجتمع الدولي يراقب لبنان عن كثب ويتابع كل ما يجري فيه. ولذلك لا مصلحة لسوريا في حال قامت بكل الاعمال المنسوبة اليها في اثارة حفيظته ضدها او بالاحرى في زيادة هذه الاثارة باعتبار انها موجودة. وثالثا هناك لجنة تحقيق دولية تقوم بعملها لاكتشاف قتلة الرئيس رفيق الحريري. علق على ذلك: "كانت هناك لجنة تحقيق دولية بعد مقتل الحريري ورغم ذلك استمرت الاغتيالات والتفجيرات". رددت: على كل لا احد في لبنان، او ربما خارجه يعرف لماذا توقفت الاغتيالات والتفجيرات، او اذا توقفت، واذا كانت ستعود وبأي طريقة.

وأضاف: "لست الوحيد الذي يثير معي خطر التصادم بين الشيعة والسنة في لبنان والاثر السلبي لذلك على لبنان كله. ففي الاسبوعين الاخيرين اثارت معي هذا الامر اكثر من شخصية لبنانية. الى ماذا تستند في مخاوفك من صدام كهذا؟" اجبت: لن ادخل في شرح نظري طويل لهذا الموضوع. اكتفي بالاشارة الى برنامج تلفزيوني "سخر" من الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله واثار ذلك رد فعل سلبياً في الشارع الشيعي اذ نزل مئات وربما آلاف الى الشارع. وتوجه هؤلاء الى اماكن عدة اولها منطقة سنية تقليدية في بيروت، علما ان المحطة التلفزيونية التي تبث البرنامج "مسيحية" اذا جاز التعبير وكذلك معد البرنامج ومخرجه وممثليه. اريد ان الفت في هذا المجال الى امر آخر هو ان بعض المتظاهرين توجهوا الى "حدود" مناطق مسيحية وحصل بعض الشغب ويدل ذلك على ان "التفاهم" الشيعي – المسيحي الذي قام اخيرا ويفاخر البعض بأنه الحل النهائي لمشكلات لبنان، لا يزال سطحي الجذور. هناك شكوك كثيرة بين السنة والشيعة وخلافات وما هو اكثر من ذلك ومن زمان. لكن ما يحصل في العراق زاد حجمها. سأل: "في ظل هذا الوضع ماذا نفعل للبنان؟ كيف نستطيع ان نساعده؟".