معاريف

رافي بوخنيك ( عقيد احتياط، خدم في شعبة الاستخبارات العسكرية )

هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها الجيش الإسرائيلي نفسه منجرا إلى داخل ورطة بسبب فشل عملاني محلي، كان روتين الأمن الجاري سيستمر من دونه مع كل قيوده المعروفة. من الصحيح أنه يتوقع من جيش يتحلى بهذا المستوى التكنولوجي المتقدم، أن لا يسقط ضحية عملية غوارية كلاسيكية وبسيطة من انتاج الارهاب الفلسطيني. لكن من اللحظة التي اتضحت فيها أبعاد الفشل، بات من الصحيح التساؤل بشأن ما إذا حصل فعلا تجاوز لكل الخطوط؟ يبدو أن "الطريق السهل" بالنسبة لإسرائيل هو تنفيذ خطة عملانية تقوم على أساس محاولة القضاء على عناصر الارهاب والمس بشكل كبير جدا بالبنى التحتية للوسائل القتالية وبقواه البشرية. حتى لو كانت هذه العملية مقرونة بخسائر في صفوف الجيش الإسرائيلي، إلا أن المعيار الرئيسي المتوقع له توجيه المستوى السياسي هو إرساء الردع الفعال، الذي قد تنضج ثماره في المدى المنظور. بيد أن مشكلة المشاكل تكمن في حقيقة أنه خلال التصدي للإرهاب، ثمة شك حقيقي بخصوص فرص استيعاب الجانب الفلسطيني للرسائل الإسرائيلية، لا سيما وأنه من الصعب تشخيص معالم لسلطة فعالة في قطاع غزة حيث إنه في الواقع "كل يغني على ليلاه". سارع معلقون إسرائيليون معينون إلى القول في أعقاب العملية الأخيرة أن القدرة الفلسطينية على تجاوز الجدار الأمني في القطاع بواسطة الأنفاق، تُثبت أن مفهوم الجدار انهار كليا. وباللهجة ذاتها جرى الادعاء أنه من الواضح أن عملية واسعة النطاق للجيش الإسرائيلي ستجلب في أعقابها موجة من العمليات الانتحارية من جانب حماس والجهاد الاسلامي. حتى وإن كان ثمة منطق في الافتراض بأن الخطوات الإسرائيلية تحمل في طياتها إمكانية التصعيد، إلا أنه ثمة شك فيما إذا كان من الصحيح عرض الأمور كما لو كانت نتائجها معروفة مسبقا. فالثغرة الإشكالية التي كلفتنا باهظا ليست بالضرورة دليلا على انهيار تصور عام؛ ومن الواضح أنه على الرغم من الصدمة، يتعين إيلاء كامل الاهتمام لاسخراج العبر على المستويات المطلوبة. يبدو أنه في هذا التوقيت الإشكالي تحديدا، اجتمعت معا أسباب خاصة ذات قاسم مشترك واسع جدا، أنتجت ظروفا ممكنة لـ"تعطيل" الأزمة في مراحلها المبكرة، على أن يكون المفتاح لذلك تحرير الجندي المخطوف. إن الحل الفوري لهذه الأزمة يمكن أن يحرك عملية التهدئة على الأرض، حتى وإن حصل ذلك بشكل مؤقت، في موازاة التصدي الضروري للصيرورات الاستراتيجية الجلية على الحلبة الإسرائيلية ـ الفلسطينية. على هذا المستوى تم تحديد عدة اتجاهات عمل تقوم على أساس تحديد ممكن لشريك مستقبلي في محيط عمل رئيس السلطة أبو مازن. إن حادثة الهجوم والاختطاف في جنوب القطاع، مهما كانت صعبة، ليست بالضرورة "القشة التي قصمت ظهر البعير". ويجب على المستوى السياسي أن يجد صيغة مناسبة يتم في إطارها حل أزمة الاختطاف، وفي الوقت ذاته إيجاد سبيل لمعالجة جذرية لمركبات الارهاب التي تُثقل حياة السكان الإسرائيليين في مستوطنات غلاف غزة. يبدو أنه تنمو الآن، بشكل غير مقصود، معطيات من شأنها أن تتطور لتشكل مناسبة وفرصة تتضمن أسس المقولة المشهورة "رب ضارة نافعة".