"اعتياد النقاش" يدفعنا نحو التركيز على النقطة الوحيدة التي لا نستطيع إلا ان نراها. فتنهار المساحات، او نصبح في ضوضاء تبادل الآراء موجودين عند نقطة واحدة، أو على الأقل هذا ما تركبه محاولات الهروب من العقل باتجاه أبسط المسائل، أو حتى اختصار المسائل السورية على قضية واحدة "تحالف المعارضة مع الإخوان" و "هل الأخوان تيارا أما لا" .... وفي النهاية نبقى في مسألة افتراضية مادام التيار الإسلامي منتشرا اجتماعيا والحراك السياسي محصورا في ما تمليه علينا قناعاتنا المسبقة.

الحياة السياسية في سورية تعيش مأزقها وهو أمر لا نستطيع الهروب منه، وبقاؤنا في نقطة واحدة يشكل كارثة على المستوى الفكري، ليس لأن الإسلام السياسي جزء من المعادلة، أو أن "السلطة السياسية" تريد معادلتها الخاصة، بل لأن الاستحقاق السياسي ربما يتجاوز "الجدل البيزنطي" والمعادلة لا تحمل جملة نشطاء فقط قادرين على الكتابة ... فالحياة السياسية في سورية عالقة في مرحلة التحول، ومأزقها في طبيعة ما يمكن أن يحدث لها.

في "الجدل البيزنطي" يسهل طرح الحلول واعتبار أن المسؤوليات واضحة، بينما تضيع التفاصيل الدقيقة لعمليات التحول السياسي، لذلك فمن السهل الحديث عن الحوار الوطني وتحديد أطرافه، ولكن من الصعب الحديث عن أحقية الأطراف في المشاركة لأن التمثيل السياسي غير واضح ... وفي الجدل البيزنطي أيضا من السهل إطلاق الأحكام السريعة حول التيارات وحجمها، ولكن يبدو مستحيلا البحث بشكل دقيق داخل التيار الاجتماعي العام وأين سيتحول داخل اللعبة الديمقراطية.

إن ابتسار الحياة السياسية لمسألة واحدة تبدو كأنها نوع من "الكيد السياسي" لا يفيد المعارضة، وبالطبع فإنه لا يشكل مواجهة حقيقية للمعارضة. فمسألة "الإسلام السياسي" وإسقاط النماذج من الدول العربية هو في النهاية هروب من الخوض في التفاصيل، وفي نوعية الأطراف التي تتعامل مع الحياة السياسية. وهو أيضا استخدام للمعادلة السياسية القديمة التي تحدد حجم الأطراف المشاركة دون النظر إلى ما يحكم المجتمع من مصالح. الخارطة السياسية اليوم لا يقتسمها طرفان، ومن التعسف اعتبار أن الصوت الإعلامي معبر بالضرورة عن دور سياسي وعمق اجتماعي، فشبكة المصالح الاجتماعية تبدو أكثر تركيبا من إسقاطها على مرحلة الثمانينات أو الخمسينات أو السبعينات .... من القرن الماضي.

حتى على مستوى الأحزاب التي أعلنت عن نفسها منذ المؤتمر القطري، أو حتى خلال الأعوام الأربع الماضية، فإنها اعتبرت نفسها أمرا واقعا وهي بالمعنى العام أحزاب انتخابية ... لكن العمق الخاص لها يبدو مجهولا، على الأخص أن الشعار السياسي ظهر وكأنه خلاصة هذه الأحزاب ... ربما ما نحتاجه هو الغوص أكثر في عمق "المأزق" السياسي ... أي الدخول إلى ما تستطيع أن تقدمه هذه الأحزاب على مستوى المصالح الاجتماعية ... هذا إضافة لرؤيتها لحلول الوضع السوري إقليميا قبل الحديث عن مشروع وطني يبقى في إطار العناوين.