«بعد حين ومين وعشر سنين» أنهيت مقالة بحثية عن فوزي الغزي أحد رجالات سوريا الوطنيين, والملقب بواضع الدستور. استهلكت مني هذه الدراسة وقتاً أطول من المتوقع, لما تطلبته من بحث أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش. إلا أن متعة التقصي في الفترة التي لعب فيها الغزي دوره الوطني 1922 ­1929, عادت عليّ بفائدة الخوض في تفاصيل تلك الفترة الحرجة من عمر سوريا تحت الانتداب, وكيف صنع رجالات سوريا الأوائل استقلال البلاد. مثَّل الغزي حلقة الربط بين النضالين السياسي والمسلح, فقد كان ضمن الوفد الوطني الذي وافقت سلطات الانتداب على قيامه بحوار مع الثوار المتحصنين في جبل العرب أثناء نشوب الثورة السورية. وقد أفضت تلك المساعي الى استقالة الوزراء الوطنيين, ومن ثم نفيهم مع أعضاء الوفد الى الحسكة. ولاحقاً, كان الغزي بطل معركة الدستور, وكان له ولفايز الخوري الفضل في وضع أول دستور سوري استلهم دساتير الأمم المتحضرة, ولم يساوم على المواد الست التي تحفظت عنها حكومة الانتداب, وهي المواد التي تضمن حق سوريا بالاستقلال, إلا أن يد الجريمة حالت دون استمرار الغزي بخوض معركة الدستور حتى النهاية, وحسب الروايات فإن زوجته التي ربطتها علاقة غير شرعية مع ابن أخيه قامت بتسميمه, ليلفظ أنفاسه في عز شبابه ولم يتجاوز بعد الـ33 عاماً, في جريمة مروعة هزت البلاد آنئذ. ومع أن الحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة صدر بحق القتلة, إلا أن عفواً أصدره حسني الزعيم بعد حوالى عشرين عاماً, أنهى سجن الزوجة, فيما لا تذكر المصادر التاريخية شيئاً عن مصير شريكها. المثير في هذه القضية ما أحاط بها من ظروف سياسية.

اليوم, لدى إعادة قراءتها بعد أكثر من 75 عاماً نجد أننا أمام قضية مازالت غامضة, إذ يظهر احتمال قوي ببراءة الزوجة التي طالبت الجماهير الهائجة بإعدامها, وانه من الوارد جداً أن يكون ابن الأخ أقدم على قتل عمه لدوافع سياسية لا غرامية. وأيا كانت الاحتمالات فإن ما يستحق الاهتمام في هذه القضية فهم كيف تم توظيف هذه الجريمة في العملية السياسية, وتجيير الوطنيين عواطف الشعب وفجيعته بالغزي في معركة الدستور, وقد اعتبرت جنازته التي يقال إن سوريا لم تشهد لها مثيلاً في تلك الأيام, بمثابة إجماع حول آرائه السياسية وتأييد مطلق لها. ولم تكن الجماهير الغاضبة المطالبة بإعدام القتلة معنية كثيراً بمعرفة الحقيقة, بقدر ما كانت مرهونة لتحريض صحافة الكتلة الوطنية, والدور الديماغوجي الذي أدته حيال هذه القضية بالذات.

بعد ذاك الزمن, لعله من الصعب أن يكون التاريخ منصفاً في هذه القضية, التي تبعثرت ملفاتها وتخلخلت بواعثها, ولم يبق منها سوى صدى ضجيج عاطفي مُدان وملتبس, وتحقيق يبدو وكأنه بني على أضاليل.

المتعة التي حصلتها من البحث عن ملامح الغزي والفترة التي عاشها, فاقت كثيراً متعة انجاز المطلوب, حول شخصية من مجموعة مئة شخصية سورية شكلت وعي السوريين في موسوعة هي الأولى من نوعها ستصدر قريباً باسم رواية اسمها سوريا, كان لي شرف المشاركة فيها إلى جانب نخبة من أربعين أديباً وباحثاً وصحفياً سورياً, قدم كل منهم رؤيته للشخصية التي بحث فيها, من خلال صيغة أدبية وصحفية رفيعة, في محاولة لإعادة الألق للكتابة التاريخية, بما ينعش الذاكرة المتروكة نهباً للنسيان. خصوصا أن هناك العديد من الشخصيات السورية الإشكالية والمختلف حولها تتم مقاربتها للمرة الأولى, بما يشبه المحاكمة للأدوار التي أدتها, وجلاء إسهامها الوطني معاً, كجميل مردم بك وتاج الدين الحسني وصبري العسلي ورشدي الكيخيا, وصلاح جديد الذي لم تخل مقاربته من جرأة العبور بين النقاط, وغيرهم الكثير, ليحمل هذا العمل الضخم كثيراً من الوعود والآمال في محاولة تأتي على مستوى تحد رسمه صاحب الفكرة ومنفذها الزميل الصحفي نبيل صالح الذي بذل لها المال والجهد الكبيرين في التحرير والمتابعة, وتطلب أكثر من 200 يوم عمل متواصل يستحق عليه التقدير, ليس طبعاً لتأدية واجبه الوطني والمهني تجاه سوريا, فهذا واجبه كما هو واجب كل حامل قلم, وإنما لتصديه لمغامرة القيام بعمل مؤسساتي ضخم يتطلب كادراً مهنياً وبحثياً, ناهيك عن تمويل ضخم, في وقت يعز فيه على الممولين إنفاق قرش سوري على المشاريع الثقافية, بعدما شرشح الجهل والرعونة وخلط الأوراق الثقافة والمثقفين, ونال من مكانتهم في المجتمع, وصاروا ملطشة لكل من هب ودب ومادة للسخرية في أعمالنا الكوميدية البهية.

رواية اسمها سوريا عمل ممتاز نفخر به, ليس بما تحمله نصوص كتابها من معلومات وقراءات لشخصيات كونت ذاكرتنا الوطنية وحسب, وإنما هي رواية سوريا التي تستنهض ماضيها, بقليل من الأوهام وكثير من الأحلام بمشاريع تصل الماضي بالحاضر, لإعادة التأسيس والبناء دون تغافل أو تجاهل لهذا الطيف أو ذاك تحت وطأة أيديولوجيات متناقضة وسياسات متعارضة. وفي المحصلة, كانت فرصة لعمل أهلي حقيقي على الأرض, بعيداً عن ديموغوجيات السياسة والإعلام.

قد يفهم من هذا الكلام دعاية أو محاولة ترويج إعلاني للصديق والزميل نبيل صالح, ومع أن الأمر ليس كذلك, لكنني أتمنى أن يصب في هذا المنحى, وليكن ترويجاً لجهد أجزم بإخلاصه ونبله, وكان له شرف جمع أربعين اسماً سوريا من نخبة المثقفين السوريين في كتاب موسوعي على مستوى عال من البحث والصياغة, لا شك في حاجة مكتبتنا الوطنية إليه ولا شك أيضاً في أهميته لنا وللأجيال اللاحقة, كي لا تخوننا الذاكرة, وننسى فضل من صنع الاستقلال واسهم في تشكيل وعينا الوطني.