خلال «الهمروجة» المجنونة لمونديال كرة القدم, وبعد مباراة حامية الوطيس بين البرازيل واليابان, انتهت بفوز أشقائنا بالدم والروح و«الريحة»! الفريق البرازيلي, هَبَّ وَلَعْلَعَ وأزَّ الرصاص في العاصمة «بيروت» وكل «ضواحيها» العامرة, حيث خَرَجَتْ الأسلحة الرشاشة الأوتوماتيكية من خِدْرها ومخابئها, لتعلن على الملأ النائم الفرحة الكبرى ولتعبِّر عن البهجة بهذا الانتصار «القَدَمي» المميَّز!

أعتقد بأن «الجبهات» الرصاصيَّة التي فُتِحَتْ بنشوةٍ وحبور, وأَرعَبَت الأطفال والنساء في منازلهم, قد أكَّدت للمرة المليون, أنها الأسلوب الوحيد المتوافر والحاضر الناضر الذي يُعوِّض و«يَفِشّ الخلق» إزاء هزائمنا المتواصلة, وحواراتنا الساذجة التافهة المبنية على الجدَال العقيم, والتعصُّب العميم, والهَبَل الثابت المقيم!! ورسَّخَت أيضاً وصولنا الميمون الى الحائط المسدود: سياسياً, اقتصادياً, اجتماعياً, ثقافياً, بيئياً, فنياً... الخ. ومع احترامنا «التاريخي» لجماهير الفوتبول, وتعاطفنا «الجغرافي» مع «ايديولوجيا» الركض والعدو والدفش والنطح وعبقرية الأرجل والأقدام! إلاّ أنَّنا ­ والحق يُقال ­ قد أكلنا هوا... على الآخر في هذه التظاهرة! حين ارتفعت حرارة الحماسة وعلا لهيب الاستنفار والاستشعار والاستحمار! وانفَلَتَتْ حناجر زمامير السيارات, يؤازرها ويسندها التشفيط والتزليط والتزحيط...!! هذا الى جانب التعصُّب الأعمى الى حدود «التَيْسَنَة والجحشَنَة», والتحدث الأرعن والكيديّة الأَلعَن, وكأن نتيجة «الماتش» الآنف والطيِّب الذكر سيتوقَّف عليها كرامة ومجد ومصير لبنان!!

وكما هي العادة التي دَرَجنا عليها وأورثناها الى أولادنا وأحفادنا, أصبح بلدنا «مُنْتجاً» كبيراً لكل أنواع التظاهرات: القومية الاستقلالية, العمَّالية, الايديولوجية, الطائفية, المذهبيَّة, الدينيّة, الفولكلورية...

وتبيّن أنه, عندما كَسَدَتْ سوق «القوميَّة» بَرَزَت وبشكل هائل التظاهرات الكرويّة «المحليَّة» من كرة قدم وكرة سَلّة, حيث تَجَلَّت عبر مسيراتها الجوَّالة في الشوارع والزواريب أسمى درجات السخافة وأعلى مراتب الوقاحة وثقل الدم, وذلك لأنها تتحوَّل وبلحظات الى مطايا ومساند ومخدَّات وطراريح وطنافس طائفية متخلِّفة تافهة أكل الدهر عليها, وعليها قَضَى حاجتَه! برغم «إمساكِهِ» المزمن!!!

وإذا كانت أُمم الهَمَجْ وأُمم البَجَم تُقيم احتفالاتها بالضجيج والصراخ والزعيق, وبجميع طرق الفوضى والضوضاء, فإننا ­ ولله الحمد ­ ما زلنا محافظين وحاضنين برموش العيون على هذا الإرث الغالي, والدليل أنَّنا لم ننفصل يوماً عن «همجيتنا وبجميتنا», رغم كل ادعاءاتنا التلفزيونية التي تنمّ وتشي بأحدث أساليب فساد الذوق, وأرقى أنواع الوقاحة والسماجة والسآلة والغلاظة والفظاظة! وإذا كنَّا قد أَلهَبْنَا بيروت بالرصاص في «ليلة الفوتبول» على أثر انتصار البرازيل على اليابان في الدور الأول, فإنني ­ الآن ­ أتساءل مرعوباً: ماذا سيفعل اللبنانيون ببلدهم فيما لو أَحرَز البرازيليون بطولة العالم مرة سادسة؟ ألله يستر!!