أحمد حيدر

ان معاينة الراهن السياسي الكردي في سوريا معاينة واقعية تفترض استبعاد العناصر الشخصية، والانفعالية والو لاءات الحزبية، والعواطف، والأماني ، لأن أية قراءة سياسية تغلب عليها إحدى هذه العناصر لن تنتج مقاربة عقلانية للراهن السياسي ومنعكساته على الحياة المجتمعية ، أوتحليل منطقي ،و متكامل من شأنه تجاوز الاطر، والهياكل الهشة ، إضافة إلى التخلي عن الصيغ التقليدية في تقويم أية ظاهرة، والبحث عن أدوات أكثر دينامية في نسف السائد ، وبث روح جديدة في المجتمع تستجيب للمعطيات الجديدة للخروج من الأزمة المتفاقمة ، وقد تسهم بعضها في تعميق الأزمة بدلا من إصلاحها .

كتب الكثير عن هذه المناسبة–التي يعتز بها كل كردي غيور- وقيل الكثير، وعقدت ندوات،ولقاءات لا تحصى ، وجرت حوارات في وسائل الإعلام المرئي ، والمسموع ، تجاهلت معظمها – بل أخطأت- قراءة العناوين الكبرى للمرحلة، و غلبت عليها أجواء كرنفالية لاتمت إلى الواقع بصلة ( وألقت بها في متاهات الأحلام والتنظيرات الفارغة من أي مضمون ) بدلا من المراجعة النقدية النزيهة ، وممارسة النقد والنقد الذاتي –السبيل الوحيد إلى التطور والتجديد - والمكاشفة العلنية أما م الجماهير لاستخلاص الدروس والعبر، والإقرار النزيه بالمسؤولية التاريخية تجاه الأخطاء والنواقص من أجل تلافيها ، وإعادة النظر في مناهج العمل التي همشت دور القواعد الحزبية ، وتكريس العمل المؤسساتي داخل هذه الاطر ، للتخلص من المركزية المتشددة التي سببت في نشوءالتكتلات، و الصراعات الجانبية الحادة التي أستنزفت قدرات ، وطاقات الكثير من الكوادر الحزبية المؤثرة ، وفتحت المجال أما الكوادر غير المؤهلة فكريا ، وسياسيا ، واجتماعيا كي تتبوأ أعلى المناصب الحزبية نتيجة مواقفها المتملقة ، والمجاملة إلى درجة النفاق ، كذلك براعتها ( في ملء سلالها الفارغة من أي رصيد ) !!؟ بعد هزيمة حزيران 1967 أصدر الدكتور صادق جلال العظم كتابا هاما بعنوان ( النقد الذاتي بعد الهزيمة ) يقول فيه :( أن غياب تقاليد النقد والمساءلة، هو الذي يدفع الشعوب والأمم حين الهزائم إلى رجعية ومحافظة ولا ريب التشكيك الصارخ في كل ما هو سائد) وكم تمنيت في هذه المناسبة ،أن أقرا كتابا لأحد أولئك المؤسسين الأوائل بعنوان ( النقد الذاتي بعد 49 عاما ) يستعرض فيه المنعطفات الهامة، والخطيرة في مسيرةهذاالحزب، الذي تحول الى أكثر من (15 ) حزبا !!!؟؟ ويتوقف عند الأخطاء والنواقص بموضوعية ، ويكشف – بجرأة - عن الأسباب الحقيقية للأخفاقات المتكررة ، والتشويهات التي لحقت به ، لقطع الطريق أمام ايةمزاودة ، أومحاولة لتشويه الحقائق التاريخية لصالح فصيل على حساب فصيل آخر !!؟

التغييرات الدراماتيكية، والتبدلات الجيوسياسيةالتي شهدتها ( القرية الكونية الصغيرة ) والمنطقة ، لا يمكن تأطيرها بالأدوات التفسيرية والتحليلية التقليدية– التي أثبتت عقمها– سيما بعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها الحركة الكردية في سوريا منذ بدايات تأسيس أول تنظيم كردي في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي – الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا في الرابع عشر من حزيران عام 1957 – وما أعقبه من انتكاسات بدءا من كونفرانس آب 1965 الذي كان حصيلة اختلالات بين فكر هذا الحزب وممارسة هذا الفكر من جهة أخرى– و فشلت القيادة في إيجاد حلول مناسبة لها - مروا بالقيادة المرحلية ( التي أحدثت مايشبه-الزلزال - كأول ظاهرة فكرية – ثقافية تحدث في المجتمع الكردي وفي قلب الحركة القومية بل وفي الساحة الكردستانية عامة بهذا الشكل الواضح والجريء) حسب رأي السياسي الكردي صلاح بدرا لدين وانتهاء بالزعزعة الفكرية ، والسياسية ، والتنظيمية، والجماهيرية المتفاقمة من سنة إلى أخرى ،والتي تعاني منها الحركة الكردية في سوريا ، ولا تمتلك القدرة الكافية للاعتراف بها !

بات بديهيا إلى حد المسلمات لمن يقرأ المشهد السياسي الكردي،ان المواقف الرسمية تسير خلف الشارع الكردي ، وليس أمامه – كما برهنت الوقائع خلال السنوات الأخيرة: فتنة– أحداث- انتفاضة 12 آذار 2004 ، مسيرة التضامن مع اعتقال الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي ، ومن ثم اغتياله ، الموقف من إعلان دمشق ، ومن إعلان حلب ، كذلك الحلول الانفرادية التي تحاول معظم الأطراف استثمارها ضمن الاطر الحزبية الضيقة من خلال العزف المنفرد على أوتار سيمفونية نشاز ملت الآذان من سماعها ، والجميع يتذكر الإحراج الذي سببته - للحركة الكردية - جلسات السمرالتي جمعت بعض قيادات الحركة الكرد ية مع السيدة الأنيقة ( ؟؟؟) ومحاولة حصر القضية الكردية في حقوق ( المواطنة ) فقط !؟ و عزلها عن الحركة الديمقراطية في البلاد ، وماالسيناريو الذي يعد له الآن خلف الكواليس إلا تتمة لتلك السياسات ، إضافة إلى الاعتصامات السلمية التي جرت تضامنا مع شعبنا الكردي في تركيا – في حلب وفي دمشق- ضد الهجمات الهمجية التركية على بلدات و قرى كردستان تركيا بالأسلحة الكيماوية ،والصمت المريب إزاء انتهاكات النظام الإيراني ضد شعبنا الكردي في كردستان ايران ؟ البيانات والبيانات المضادة ضد مؤتمرات واشنطن، باريس،بروكسل ..! وبدت الهوة واضحة بين مواقف قيادات هذه الأحزاب، وبين جماهيرها التي عبرت عن استيائها في أكثر من قضية ، ومن موقف ، والتي تؤكد عدم امتلاكها للرؤية الواضحة للظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة والتي تلقي بظلالها على الحركة الكردية ، ولا بالمؤامرات التي تستهدف إلغاء الدور الحضاري للكرد ، وضرب هويته الوطنية والقومية ، ووجوده !! كذلك عدم امتلاك البوصلة الدقيقة التي تعينهم على تحديد مساراتهم الصحيحة ، وكانت النتيجة أن أغلب الأحزاب الكردية صارت تعاني من ضعف ثقة الجماهير بها ، وتقلص في جماهيريتها ، وفي مصداقيتها في الشارع الكردي ، وتراجع في أداء مهماتها وهي إشكالية تستلزم الوقوف عندها ، ودراستها دراسة دقيقة ، والتواصل الخلاق مع جميع قوى الإنتاج المعرفي من داخل وخارج البلاد : من مثقفين ، وإعلاميين، وشخصيات وطنية وسياسية، وثقافية ، وعلمية ( والبحث عن مكامن الخطأ ) ولا شيء يمنع من فتح النقاش في أية قضية أوأية مقاربة نقدية جريئة ،أو مسألة تتصل بأداء الأحزاب أو ( محاولة إصلاحها ) أورد الاعتبار لها ، بعيدا عن المواقف الأقصوية ، والمتطرفة ، وإلصاق التهم الجاهزة ، والتأكيدات النهائية ، للتوصل إلى إستراتيجية واضحة المعالم ، لاتخاذ إجراءات جذرية عميقة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر وأفضل النتائج،على أمل أن تتحقق صحوة ترتقي إلى مستوى التحديات المفروضة التي لم تعد مواجهتها تحتمل دفن الرأس كالنعامة في الرمل!! فكيف تطالب هذه الأحزاب الآخر بتوسيع الديمقراطية ، في الوقت الذي تمارس فيه أقسى حالات الديكتاتورية داخل تنظيماتها ، وكيف تطالبه الاعتراف بحرية رأي الآخر واحترامه، في الوقت الذي تصادر فيه آراء الرفاق ضمن التنظيم الواحد، ويعتبر كل حزب نفسه المرجعية الأولى للشرعية والفكر والثقافة والسياسة ، وتمارس القمع الفكري ضد المثقفين الكرد بصرامة ( فعطلت قدرة الباحثين على النقد والعطاء والاغناء ، على التطوير والتجديد والتحديث النظري ) كما حدث مع الباحث الكردي إبراهيم محمود الذي تعرض لهجوم لاذع من قبل بعض أصحاب الرؤى القاصرة والمشوشة، نتيجة طرحه لرأي مغاير في قضية غامضة عند الأغلبية ، لم يتجرأ أحد من المساس بها منذ أكثر من نصف قرن مضى وحتى يومنا هذا ) و كيف تطالبه بالانفتاح على الآخر ، وهي تكرس حالة التقوقع ( الانغلاق ) التي لا تحاورالآخر إلا ضمن شروط تمليها الأهواء الشخصية ، وتحد د علاقتها مع الآخر وفقا لأوجه التطابق والاختلاف على مبدأ ( من ليس معي فهو ضدي )ويسعى كل فصيل من جانبه الى بناء حواجز نفسية ، وهمية تمنع أية محاولة لاختراق الدائرة المرسومة خوفا من زعزعة مناصبها (كراسيها) والعمل على إجهاض أية مبادرة وطنية من شأنها توحيد الصف الكردي لما فيه خدمة لقضايانا المصيرية ! ومن المؤسف حقا ان هذه الأحزاب لم توحدها دماء شهداء 12 آذار ، ولا ضحايا مسيرات التضامن مع اغتيال الشيخ الشهيد الخزنوي من المعتقلين ، والجرحى ، ولا خيمة العزاء أثناء اغتياله ، بل وحدتها الأوهام في تحقيق بعض مآربها الشخصية ، وإشباع رغباتها المريضة في لفت الأنظار من خلال استعراض الحركات البهلوانية ، أو من خلال اللقاءات الجانبية – سرا وعلانية - التي تعقد هنا وهناك !!

وغاب عن الأغلبية ان (عالم الأ مس ليس عالم اليوم ) وأن الجرأة النقدية وشمولها ، واستمرارها كمرافق زمني هي مسألة حتمية وبدون هذا النقد الذاتي فانه لا أمل في أن تخرج الحركة الكردية من مأزقها الراهن . النقد هدفه ليس النقد فحسب بل ضروري لانحرافات القوة والسلطة ، كما يرى المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد ( ان النقد الصريح غير المهادن لا معنى له ان كان واحدي الاتجاه ، ان يرى الشر كله في اتجاه الخصم ويرسم طهرانية للذات ) وهنا أود ان أشير الى كتابات الدكتور عبدالحكيم بشار- الاستثنائية - التي اتسمت بالجرأة ، والحكمة ، و حاولت اختراق جدار الصمت، الموروث الذي أهمل طوال هذه الفترة ( المسكوت عنه) تحت ذرائع واهية : الثوابت ،المقدس ، القيم ،الرمز أو ....الخ في مقال لي، نشر في العام الماضي ، في أكثر من موقع انترنيتي بعنوان – الأحزاب الكردية أمام مفترق الطرق – توقفت عند استفحال بعض الأمراض الخبيثة في جسد الأحزاب الكردية في سوريا - حالة التشرذم والانشقاقات ، و...! ونتائجها السلبية على الشارع الكردي ، بغية الإسراع في علاجها أواستئصالها قدر المستطاع ، للعدول عن سياساتها الخاطئة ، وجاء ضمن هذا السياق إشارة عابرة إلى تهرب سياسي ومثقف كردي – وهو في هرم قيادة حزب سياسي كردي سوري – ( طبعا دون أن اذكر اسمه في المقال المذكور ) عن القيام بأداء واجبه الأخلاقي ، والإنساني في تابين الذكرى السنوية لاستشهاد أحد رفاقه الذي استشهد تحت التعذيب أثناء انتفاضة 12 لآذار ( وكان الشهيد قد سخر جميع إمكاناته المادية ، والمعنوية في خدمة الدعاية الانتخابية له أثناء ترشيحه الى عضوية مجلس الشعب السوري) وقد تكفل بعض أصدقاء الشهيد بإقامة التأبين ، واللافت انه كان من بين أطول المتحدثين في حفل التأبين عن خصال الشهيد الحميدة ، وأكثر المتباكين عليه ، حتى كاد ان يتفوق على والد الشهيد !!؟ وهذا ما أثار حفيظة السيد عبدالرحمن آلوجي ( المتثاقف ) والقائد السياسي ، الذي توارى عن الأنظار أثناء انتفاضة 12آذار 2004 كما أفاد شاهد عيان من أفراد عائلته، ثم أدلى هذا المناضل بعد ذلك بحديث للتلفزيون (السوري) تصوروا؟؟؟ يدين فيه انتفاضة أهلنا ، ومن المؤسف انه لم يحصل على مكافأته كما حصل عليه غيره من المتحدثين عن ( غوغائيتنا ) كما ان تاريخه السياسي مليء بالتقلبات ، والدسائس ، فهو الذي أرسل قبل سنوات قائمة بأسماء مثقفين كرد سوريين إلى القائمين على المنابر الثقافية في كردستان العراق ومنهم المرحوم ديار دوستكي وآخرون .. يطلب منهم عدم نشر مواد لهؤلاء وراح يصنفهم حسب مزاجه : هناك من بينهم أنصار أوجلان ، وهناك من أنصار جلا ل - ويقصد الرئيس جلال الطالباني مستغلا الخلاف بين الحزبين الكرديين آنذاك ، وهناك من هو شيوعي وهناك من هو...!! وهو الذي راح يؤسس نواة لاتحاد الكتاب الأكراد في سوريا مختارا من لم يكونوا كتابا –آنذاك- ليكون هو رئيسا لهم – العقدة التي لازمته - ولما اكتشف ان بأن هؤلاء لن ينتخبونه رئيسا لهم أفشل الاتحاد ، فراح يقسم حزبه حالما أن يكون رئيسا !!؟؟ كتب ردا انتقاميا ،عبارة عن بيان شتائمي، راح يطلق فيه اتهامات مجانية – ( استمدها من قاموسه الخاص) ومن المؤلم انه أعاد الكرة نفسها هذا العام أيضا – وتهرب من مسؤوليته في إقامة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد رفيقه دون رادع أووازع من ضمير - ولأسباب يعرفها القاصي والداني !!!؟؟ ويؤكد بيانه المأزوم مدى الخواء الفكري الذي يعانيه بل وعجزه عن قراءة الواقع الجديد- التي فرضتها المتغيرات الدراماتيكية ، في الرؤى، والخرائط ،قراءة موضوعية ،علمية بعيدا عن لغة المبالغة، وتهويم الذات المريضة ، والتباهي بانتصارات وهمية زائفة ، والترويج للرؤى ا لمسطحة ،التي تتماهى مع الرؤى( السلطوية ) البطرياركية المعلبة، التي كرست ثقافة الاستعلاء- طوال نصف قرن– وتهميش الآخر ، وإقصائه إلى حد الإلغاء – والتي لم تجلب سوى الكوارث على شعوب المنطقة برمتها – دفع ثمنها غاليا ، شعبنا الكردي، المغلوب على أمره !! و يذكرني هنا بما جاء في كتاب الباحث مصطفى حجازي ( سيكولوجية الإنسان المهدور ) الذي يحلل نفسية إنسان اليوم ،الذي يرزح تحت أعباء الحياة ، والضيق الذي يعانيه، جراء هول ما يحدث من حوله ، ويرى ان اللغة ذاتها تصاب بالفصام ، وتتحول– حسب رأيه– بثرثراتها وطلاقتها اللفظية إلى أداة للتستر على عورة الفراغ الوجودي ،ثم يضيف( كثيرا ما يلجأ الإنسان المهدور إلى الادعاء ، واصطناع أمجاد ماضية تهد ف إلى إبهار الآخر ،عارفا بأعماقه مدى هزيمته وضياعه في العمق .. وتكثر الثرثرة بين المهدورين ، ويكثر الكلام المفرغ من المحتوى والدلالة ،الذي لايهد ف إلا إلى تضليل الآخر ... وتتحول اللغة إلى أداة لتزوير الوجود ..!! )

أخيرا ، أود أن أشير إلى ان الغاية من هذه المعاينة – المتواضعة – هو تجاوز الراهن المتأزم ،والبحث عن صياغات جديدة للعمل السياسي الكردي الموحد ، أو إطار وحدوي يجمع في صفوفه فعاليات متنوعة فكرية ، وسياسية ، وثقافية وجماهيرية ونشر ثقافة النقد والنقد الذاتي، وعدم التستر على العيوب والنواقص ( وضرورة مواجهة المسؤولين عنها بما ارتكبوه من أخطاء واعترافهم بذلك واستعدادهم للتخلي عن أساليبهم الخاطئة )طبعا هذا لايعفينا ان نتوقف عند تضحيات هؤلاء المؤسسين الأوائل الذين ذاقوا مرارة الاعتقالات في الزنازين المنفردة ، والتعذيب ، والمنافي القسرية ، والملاحقات بل حفاظا على جهود هؤلاء –الذين نحني لهم هاماتنا - كان لابد من كل ذلك !!؟