شاكر الجوهري

إذا كان خالد مشعل هو المسؤول عن أسر الجندي الإسرائيلي في قطاع غزة, فلم يتم قصف مقر اسماعيل هنية, ولم يحلق الطيران الإسرائيلي قبلها فوق مقر الرئيس السوري في اللاذقية..؟!

الإجابة على هذا السؤال تعيدنا الى حقيقة أن قرار ايهود اولمرت بمهاجمة قطاع غزة كان معلنا قبل أسر الجندي الإسرائيلي في اطار خطته الموروثة عن ارئيل شارون والمطورة عنها..

الموروث عن شارون هو الحل الأحادي بحجة عدم وجود شريك فلسطيني, بما في ذلك محمود عباس..!

أما التطوير الذي جرى ادخاله على خطة شارون فهو اسقاط حكومة "حماس", التي لم تكن قائمة حين داهم القدر رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مقعدا اياه في سرير الموت.

ليس من المنطق الإسرائيلي في شيىء أن يتم الإنسحاب من الضفة الغربية لصالح حكومة "حماس", قبل اسقاط هذه الحكومة التي باتت تحكم قطاع غزة.

ولهذا تحديدا تم النفخ في قضية أسر الجندي الإسرائيلي وتكبيرها على نحو شكل المأزق الراهن ممثلا في:

أولا: عدم امكانية التفريط الإسرائيلي بحياة الجندي, حتى لا تتحمل حكومة اولمرت مسؤولية التسبب بقتله بعد أن رفعت شعار انقاذه من الأسر بأي ثمن. ولهذا تباطأ الإجتياح الإسرائيلي. ثانيا: عدم قدرة حكومة اسماعيل هنية على تسليم هذا الجندي لأنه ليس مأسورا لديها, ولأنها لا تستطيع تسليمه دون ثمن مقابل, خاصة بعد أن دفع الشعب الفلسطيني من جانبه الثمن تدميرا للبنية التحتية في قطاع غزة, حيث بات الفلسطينيون هناك دون ماء أو كهرباء, وقطعت الجسور المهدمة التواصل فيما بينهم.

ردة الفعل الإسرائيلية على أسر الجندي الإسرائيلي جعلت من اطلاق سراحه الآن خطأ يفوق الخطأ الأول الذي تمثل في أسره..!

نعم.. لقد مثل أسره خطأ جسيما لأنه وقع في وقت كان فيه اولمرت أشد ما يكون احتياجا الى ذريعة يبرر بها ما اعتزمه لقطاع غزة. أما الخطأ الأكبر الآن فهو اطلاق سراح هذا الأسير بعد أن رفعت ردة فعل اولمرت من قيمته على هذا النحو, وأصبح مأزق حكومته أكبر من مأزق حكومة هنية.. يعبر عن ذلك قراره قصف مقر هنية, وهو يعرف أنه تم اخلاءه قبل عدة أيام.. حيث لم يعد من مصلحة اسرائيل قتل هنية, واسقاط حكومته الآن, بعد أن كان هذا هو الهدف, لأن من شأن ذلك اسقاط محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية, واجهاز الشعب الفلسطيني على قادة اجهزته الأمنية, وانعدام البديل الذي يريد اولمرت عودة الأمور الى يديه.. خاصة وأن اسقاط حكومة هنية, وانعدام البديل من شأنه فقط أن يخلص الشعب الفلسطيني من الحصار الإقتصادي, واعادة مسؤولية توفير سبل الحياة الى اسرائيل, كونها دولة الإحتلال, كما كان الحال قبل اوسلو, لتخسر اسرائيل كل انجازات اوسلو, وتعود القضية الفلسطينية الى المربع الأول, حيث لن تقبل أي قيادة بعد ذلك بغير الحل النهائي مرة واحدة, ودون مراحل أريد منها "مرمطة" الشعب الفلسطيني في وحول الألاعيب الإسرائيلية.

لهذا, لا قيمة عملية للتصريحات التي حاولت استثمار العدوان الإسرائيلي لصالح اعادة السلطة خالصة الى حركة "فتح". بل إن مردود هذه التصريحات كان بالغ السلبية على اصحابها.

ولأن عجز حكومة اولمرت عن اطلاق الجندي الأسير سالما جعلها في مأزق أمام الرأي العام الإسرائيلي يفوق مأزق حكومة هنية, التي لم يعد لديها ما تخسره, أصبح جورج بوش يرى أن مفتاح حل الأزمة, قاصدا هنا بالتأكيد أزمة حكومة اولمرت, يكمن في اطلاق سراح هذا الجندي, فيما تصب الوساطات العربية في ذات الإتجاه..!!

قصف مقر هنية والتحليق فوق مقر الأسد يهدفان الى تفعيل الضغوط من أجل الحصول على مفتاح حل أزمة حكومة اولمرت.