د. ثائر دوري

المتابع لصحافة الكيان الصهيوني الغاصب هذه الأيام يمكنه أن يلاحظ بسهولة الصدمة الهائلة التي مني بها هذا الكيان عقب العملية البطولية في كرم سالم ، حتى يبدو و كأن الكيان الصهيوني بكامله قد فقد صوابه . فالعملية باتفاق كل الأطراف الصهيونية شكلت فشلاً ذريعاً للكيان ، سياسيا و عسكرياً و أمنياً . و هذا أمر لا يجادل به أحد من الصهاينة. لكن ما يتجادلون حوله هو : من يتحمل مسؤولية هذا الفشل ؟ الاستخبارات العسكرية ، أم الجيش ، أم الساسة ، أم شارون الراقد في غيبوبته .

منذ بداية الاحتلال عام 1967. بل و قبل ذلك كانت غزة شوكة في حلق الصهاينة فلم تتوقف عن إنجاب أجيال وراء أجيال من الشهداء و المقاومين، وتحت رايات و مسميات شتى . و هذا ما جعل قواد الكيان الصهيوني يتمنون أن يستيقظوا صباحاً ليروا غزة و قد ابتلعها البحر . لذلك سارع الكيان الصهيوني لتسليمها للسلطة الفلسطينية تحت شعار " غزة – أريحا " و هو يظن أنه سيتخلص من كابوس اسمه غزة .

و عندما استمرت غزة بإنجاب المقاومين و إرسالهم إلى العمق الصهيوني للقيام بالعمليات الإستشهادية . اتخذ الكيان الصهيوني قراره بتحويل غزة إلى سجن كبير،فأحاطها بسور مكهرب مراقب بأحدث الوسائل التكنلوجية و الحراسات المشددة . لكن هذا لم يمنع المقاومين من محاولة اجتياز هذا السور عبر وسائل بدائية ، كما فعل الشهيد محمد فرحات ابن خنساء فلسطين فقرض الشريط بمقص عادي . فنجحوا أحيانا و أخفقوا في مرات أخرى .

ثم كان قرار الكيان الصهيوني بكسر إرادة غزة فصار يعاقبها على كل عملية ناجحة : بالقصف العشوائي ، و الاغتيالات، و التدمير و الإجتياح ....الخ . لكن إرادة غزة أكبر من أن تكسرها سياسة العقوبات الجماعية ، عبر الحصار و القصف و التجويع . بل ردت على التحدي الصهيوني الذي يحاول تحويلها إلى سجن كبير باختراع صواريخ القسام . بدت المحاولة مضحكة بالنسبة لبعض المهرجين الذين يتعاطون الشأن العام دون أن يرون أبعد من ذروة أنفهم ،فتهكموا على هذه الأسلحة البدائية التي لا تجلب لأهلها سوى الخراب فمقابل كل صاروخ بدائي تتحمل غزة القتل و الدمار حسب زعمهم .

لكن المقاومين استمروا بتطوير سلاحهم مجندين المخارط و الورش البدائية فحققوا قفزات تكنلوجية هائلة بمعايير بدائية الأدوات و الظروف الصعبة التي يعملون بها محولين صواريخ القسام إلى مكون أساسي في معادلة الصراع . حتى أنهم أعادوا للكيان الصهيوني كوابيس كريات شمونة و الجليل الذي كان تحت رحمة كاتيوشا المقاومين قبل خروج منظمة التحرير من لبنان . فابتدأ نزول سكان سيدروت إلى الملاجيء و تشير آخر الأخبار الواردة من الكيان الصهيوني إلى بداية هجرة منها إلى أماكن أخرى . دون أن ننسى أن الكيان الصهيوني تطارده اليوم كوابيس انتقال خبرة صنع هذه الصواريخ إلى الضفة الغربية ، عندها ستكون كل أراضي فلسطين التاريخية في مرمى الصواريخ لأن المسافة بين شمال الضفة و تل أبيب لا تزيد عن خمسة عشر كيلومتراً .

و بالتوازي مع جهد المقاومين لاختراق الحصار من الجو عبر صواريخ القسام كان هناك عمل جبار يقترب من الإعجاز البشري يجري تحت الأرض ، فقد بدأ المقاومون بحفر الأنفاق في أرض غزة فهربوا الأسلحة و الأشخاص و دمروا قاعدة عسكرية و توجوا جهدهم بعملية كرم سالم و أسر جندي صهيوني . غزة تلخص قصة الإنسان العربي – المسلم المقاوم . غزة هي قصة الإرادة البشرية التي لا يمكن قهرها ، غزة كالموت بالنسبة للصهاينة . غزة التي لم يبتلعها البحر و لم يفلح الكيان الصهيوني بتحويلها إلى سجن كبير ، غزة جعلت رأس الكيان الصهيوني يصطدم بالجدار ، فأمامها يدرك أنه فشل في كسر إرادة المقاومة رغم كل جرائمه . لذلك فهو يتخبط . نراه اليوم يهدد باحتلال غزة و كأنه نسي أنه هرب منها قبل عشرة أشهر فقط . يقول الكاتب الصهيوني سيفر بلوتسكر في يديعوت أحونوت :

(( لا يوجد الآن لحكومة اسرائيل نظرية، ولا خطة، ولا نموذج عمل إبداعي، ولا رد. لا للاختطاف، لا لصواريخ القسام ولا "لحكومة وحدة وطنية" لحماس وفتح ستقوم بعد قليل في السلطة الفلسطينية وتُستقبل بعطف في العالم. ومع عدم وجود كل ذلك، يزيد قادتنا الأعزاء خطبهم التهديدية وينقلون الدبابات الى الحدود ووراء الحدود - برغم أنه سيُسحق تحت سلاسلها ميراث شارون الأخير، الذي لم يكن ليعطي أمر احتلال قطاع غزة من جديد. لأن شارون في سنه المتقدمة عرف أن الاحتلال هو شيء فارغ شيطاني.)) و يختم مقاله بالقول :

(( صباح الخير، يا غزة اللعينة، يا غزة البغيضة، إننا نقف على أبوابك للمرة الثانية))