يقول نواب مستقلون انه اذا كان مؤتمر الحوار الوطني قد ساعد على سحب فتيل التفجير السياسي وتنفيس الاحتقان، فان "ورقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ساعدت هي ايضا على خلق مناخات الوئام بين شريحة واسعة من اللبنانيين بحيث "جعلت ابن التيار الوطني الحر الى جانب عضو "حزب الله" يتحدثان بلغة واحدة، كما قال نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في كلمته في مهرجان "التيار الوطني" في الاونيسكو، وانه لولا ورقة او وثيقة التفاهم هذه لكان الانفعال الشعبي في الشارع الذي حصل احتجاجا على برنامج "بس مات وطن" قد وصل الى مدى اكبرِ. ويرى هؤلاء في انعقاد مؤتمر الحوار فائدة في المساعدة على معالجة المشكلات القائمة والتي قد تقوم، وانه يشكل شبكة امان للاستقرار العام في البلاد، كما يرون في وثيقة التفاهم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" شبكة امان ايضا للوحدة الوطنية والعيش المشترك والوئام بين شريحة واسعة من اللبنانيين. لكن السؤال المطروح هو: حتام يمكن ان يشكل مؤتمر الحوار شبكة امان و"وثيقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" مناخ وئام يعزز السلم الاهلي اذا ظلت قرارات المؤتمر من دون تنفيذ ومضمون الوثيقة حبرا على ورق؟ فهذا التنفيذ لا يرتبط بالطرف اللبناني وحده، بل باطراف آخرين منها سوريا واسرائيل وما لم يكن لدى هؤلاء الاطراف رغبة في المساعدة على تنفيذ ما اتفق عليه اللبنانيون، يصبح مصير قرارات مؤتمر الحوار ومضمون "وثيقة التفاهم" واحدا وهو ما قد يثير الخوف من عودة الخلاف بين المتحاورين وكذلك بين المتفاهمين من "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ان لم يكن في ما بينهم، فمع الاطراف غير اللبنانيين اذا لم يساعدوا على تنفيذ ما صار الاتفاق عليه، الا اذا كان المتحاورون يهمهم قبل تنفيذ قراراتهم ان يستمر الهدوء والاستقرار وان يظل لبنان في منأى من تداعيات ومخاطر ما تتعرض له المنطقة بعدما تحمل الكثير منها على مدى سنوات وحان له ان يرتاح منها، واذا كان اصحاب "وثيقة التفاهم" لا يهمهم منها سوى الاستمرار على تفاهمهم، ان لم يكن حول امور سياسية فأقله تأسيسا لتحالفات انتخابية مقبلة وهي الأهم. لذلك، فان وصف النائب العماد ميشال عون الحوار بالعقيم سواء بالنسبة الى الحوار نفسه او بالنسبة الى قراراته التي قد تبقى من دون تنفيذ، وهو يضع الحق في ذلك على الحكومة وليس على الطرف الآخر اي سوريا، ينطبق ايضا على وثيقة التفاهم بينه وبين "حزب الله" التي تبقى عقيمة اذا ظلت من دون تنفيذ، لأن تنفيذ كثير من بنودها لا يعود الى "حزب الله" والى "التيار الوطني الحر" فقط انما الى سوريا واسرائيل. ومن البنود التي تحتاج الى موافقة اطراف غير لبنانيين سواء في قرارات مؤتمر الحوار او في "ورقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الآتي: 1 – "اتخاذ الحكومة اللبنانية جميع الخطوات والاجراءات القانونية المتعلقة بتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتقديمها الى الامم المتحدة وذلك بعدما اعلنت الدولة السورية لبنانيتها بكاملها". ان سوريا ترفض تثبيت لبنانية مزارع شبعا بحجة انها تقع تحت الاحتلال الاسرائيلي مما يحول دون تحديد حدودها وبالتالي بتحريرها وهي حجة واهية خالية من اي منطق، وكأن سوريا تفضل ان تبقى هذه المزارع تحت الاحتلال الاسرائيلي على تحديد حدودها تثبيتا لملكية لبنان لها، كي يستطيع لبنان احراج اسرائيل امام الامم المتحدة عندما يطالبها بالانسحاب من ارضه تنفيذا لما تبقى من القرار 425. 2 – "مطالبة الدولة السورية بالتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية من اجل كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية". ان سوريا لم تتعاون حتى الآن مع الدولة اللبنانية من اجل كشف مصير هؤلاء المعتقلين، وهي تكتفي بتكرار القول ان لا معتقلين لبنانيين لديها... 3 – "اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين وتوفير الظروف الملائمة لها بنقل العلاقة من الافراد والمجموعات الى علاقة بين المؤسسات بحيث تؤمن استمرارها وثباتها". ان سوريا اعلنت موقفا واضحا من هذا الموضوع وهو انها لا ترى ضرورة في الوقت الحاضر لاقامة علاقات ديبلوماسية خصوصا في ظل اجواء متوترة بين البلدين. 4 – "معالجة ملف انهاء السلاح خارج المخيمات وترتيب الوضع الامني داخلها وذلك في اطار من الحوار الجاد والمسؤول والحثيث بين الحكومة اللبنانية والفلسطينيين بما يؤدي الى بسط سلطة الدولة وقوانينها على كل الاراضي اللبنانية". ان معالجة هذا الملف يصطدم بالفصائل الفلسطينية الخاضعة للسلطة السورية، التي ترفض ازالة سلاحها خارج المخيمات بحجة ان هذا السلاح يشكل جزءا من المقاومة ضد اسرائيل وضامنا بالتالي لعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم... 5 – "تحرير الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية" ان هذا الموضوع يحتاج الى ممارسة ضغوط دولية على اسرائيل لكي يتم التوصل الى تحرير هؤلاء الاسرى، وقد يكون من الصعب التوصل الى ذلك قبل الدخول في محادثات سلام او الاتفاق على العودة الى اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل. 6 – "ان وجود اي لبناني على ارضه هو افضل من رؤيته على ارض العدو، لذا، فان حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى اسرائيل تتطلب عملا حثيثا من اجل عودتهم الى وطنهم مع الاخذ في الاعتبار كل الظروف السياسية والامنية والمعيشية المحيطة بالموضوع". ان حل هذه المشكلة يحتاج الى تعاون اسرائيلي والى اجراءات لبنانية تجعل هؤلاء اللبنانيين يطمئنون الى عودتهم ولا يتعرضون للاعتقال والمحاكمة والسجن، كأن يوضع مشروع قانون بالعفو عنهم او عدم محاكمة من لا علاقة لهم بارتكاب جرائم ولا بالتعامل مع اسرائيل، او اجراء محاكمات سريعة وعادلة لمن هم متهمون بذلك. يتبين من هذا العرض ان ما يحول دون تنفيذ القرارات التي صدرت عن مؤتمر الحوار الوطني، وتنفيذ البنود التي وردت في "ورقة التفاهم" بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ليس اللبنانيون وقد اجمعوا عليها، انما اسرائيل من جهة وسوريا من جهة اخرى، وان المطلوب من المتحاورين ومن اصحاب "ورقة التفاهم" ان يكون لهم موقف من هذين الطرفين اذا كانوا يريدون فعلا تنفيذ ما اتفقوا عليه وليس الاكتفاء باتخاذ القرارات وان بقيت بدون تنفيذ.