نجيب نصير

قد يكون الدكتور كمال الصليبي مخطأ وقد يكون مصيبا في الخلاصة المعلومية التي خلص إليها في مؤلفه الفذ (التوراة جاءت من جزيرة العرب) ولكنه وفي كل الأحوال كان مصيبا في ربطه الحاذق بين اللغة وثقافة العصر، حيث بين الفجوة الهائلة التي يصنعها الزمن بين ثقافة مجتمع منسوبا إلى وضع بيئي اقتصادي معرفي وبين ثقافة هي ابنة الثقافة السابقة تناسليا فقط ولكنها مختلفة جذريا عنها، نظرا لاختلاف البيئة والاقتصاد والمعرفة، فالمطر والمناخ هما بيئتين مختلفتين لمعرفة زراعية واقتصادية مختلفة، كما انهما معرفتين مختلفتين لمكان كبير أو صغير، والتجارة في هاتين الثقافتين أيضا لها مفهومين مختلفين حسب المسافات والقدرة على قطعها وكمية الحمولة الممكن نقلها وحمايتها، والخ من كل ممكنات التقاطع بين البيئة والعقل والجسد، والتي يعبر عنها لغة، بحيث تنتظر الكوارث كل مجتمع لا يستطيع فهم المرحلة التي نطقت بها اللغة، والنطق هنا هو إمكانية التصور، فتصورنا للقصر في سنة 1500 قبل الميلاد (أينما كان ولكن حسب البيئة) لا يمكن ان يتطابق مع تصورنا للكلمة الآن أو في 500 قبل الميلاد أو 500 ميلادية، وعليه فأنه لا يمكننا الثبات بتصورنا لا إلى الوراء ولا إلى الأمام، أي ان كل ما تعنيه اللغة مهما يكن هو مختلف الآن عن مقاصدها في الماضي سحيقا كان أم قريبا (الكومبيوتر والبريد مثالا).

لقد استطاع الدكتور كمال الصليبي صياغة مجسم اجتماعي انطلاقا وانتهاء باللغة، كي يقول ان الماضي شيء مختلف تماما عن الحاضر على الرغم من وجوده كمؤسس ولكن سنة الحياة ترتبط بالبناء على الأسس التي تندفن كما أساسات الأبنية، وكل بناء، فكرة كان، أم إنجاز لا يمكن البناء عليه ( أي يتغير مرتقيا عبر الزمان )هو أساس فاسد بالضرورة، لأنه لا غاية منه ولا هدف، ليتحول إلى علف ثقافي بسيط يحافظ على الإنسان في حالته البدائية ( أيضا مقارنة بين الذي يعلم الكومبيوتر الآن وبين الذي لا يعلم )، من هنا تجب إعادة تعريف الأشياء لا من اللغة ولكن مما هي عليه الآن، فالمثقف ليس رمحا ( على سبيل المثال )، ولا يمكن مقارنته به حتى لو الكلمة طابقت الكلمة، وعليه فأن اللغة في هاتيك الأزمان لا تعني ما تعنيه الآن حتى لو كانت مقدسة.