في الطريق الى ساحة رياض الصلح في بيروت، تنتصب لوحة الكترونية كبيرة الحجم تحمل صورة للراحل الحريري في أعلاها لوحة رقمية تشير الى مرور خمسمائة يوم على استشهاده، دون أن تتضح الحقيقة، وحيث هناك من يرى من اللبنانيين، كما كتبت بعض الصحف اللبنانية الأكثر تحريضا وراديكالية، أنه قد يصل الرقم الى خمسين ألف يوم من دون أن تنجلي الحقيقة.

من وجهة نظر الكثير من اللبنانيين أن التساؤل المضاعف: لماذا اغتيل الحريري؟ ومن الذي أمر باغتياله، لا يزال يحير الكثيرين، صحيح ان الصحافة اللبنانية في جناحها الراديكالي كما أسلفت، تتموضع سوريا في متن هذا التساؤل المضاعف الذي يوجه الأنظار إليها ويتهمها باغتيال الحريري وهذا ما شهدته الخمسمائة يوم المنصرمة، إلا أن واقع الحال السياسي اللبناني كما عبّر عنه مؤتمر الحوار الوطني 29/6/2006 الذي يقال، وكما جاء على لسان الرئيس نبيه بري، إن آخر جلساته سوف تكون في السادس والعشرين من الشهر الجاري. أقول إن واقع الحال السياسي اللبناني يشير الى أن سوريا لم تعد محاصرة في متن هذا التساؤل المضاعف، خاصة بعد اكتشاف شبكة التجسس “الإسرائيلية” التي صمتت عنها بعض الصحف اللبنانية، وبخاصة أيضا بعد اتفاق المتحاورين من جماعة الرابع عشر من آذار على أن “إسرائيل” هي العدو الرئيسي للبنان “النهار 30 يونيو/ حزيران 2006” وليست سوريا كما حاول أن يقنعنا الاتجاه الراديكالي التحريضي في لبنان الذي ما انفك على مسافة خمسمائة يوم من التحريض على سوريا.

واقع الحال اللبناني يبشر بالخروج من النفق الذي آلت إليه العلاقات السورية/ اللبنانية بعد اغتيال الرئيس الحريري، وعلى ما يبدو، فإن الرئيس نبيه بري بعد زيارته القصيرة الى سوريا، جاء على طريقة حمامة نوح، حاملا غصن الزيتون ومبشرا بأن طوفانا بدأ ينحسر وأن أراضي جديدة بدأت تظهر، وأن خارطة للعلاقات السورية اللبنانية هي في طريقها الى التشكل، وأن المسافة بدأت تقصر بين لبنان وسوريا، وأن زيارة الرئيس السنيورة ستكون في القريب.

صحيح أن بري لم يتشاور مع السنيورة قبل ذهابه الى دمشق، لكن خلوته القصيرة مع السنيورة بعد الاجتماع تشير الى أن العلاقات تطبخ على نار هادئة، مثلها مثل الحلوى السورية التي وزعت على جميع المتحاورين، فالمعروف عن السوريين دقة صناعتهم للحلوى، ولذلك فقد اختار بري أن يوزع حلوى “البرازق” السورية على الجميع، وكان لافتا للنظر أن يكون رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري أول المتمالحين، كذلك جنبلاط والرئيس إميل الجميل الذي طاف بدوره بصحن البرازق على الجميع، حيث تولت وسائل الاعلام اللبنانية نشر تلك الصور على صفحاتها الاولى تحت عنوان “دبلوماسية البرازق”. صحيح أن النائب ميشال عون لم يأكل الحلوى السورية بسبب وضعه الصحي حيث يعاني من مرض السكري، وأن جعجع امتنع بحجة أنه “لايحب البرازق” كما جاء على لسانه، إلا أن دبلوماسية البرازق وحدت الجميع وكأننا أمام طقس ميثولوجي، يتشارك فيه جميع المتمالحين كما تقول الميثولوجيات القديمة، بالأكل من الخبز/ الحلوى الذي يضمن توحد الجميع تحت سقف واحد واتفاقهم على أمر واحد ينهي فرقتهم ويلم شملهم من جديد.

سواء امتنع جعجع بحجة “أنه لايحب البرازق” أو لم يمتنع، فإن بناء مناخ جديد في العلاقات السورية اللبنانية لايزال رهناً بيد رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري، خاصة أن الاشارات التي أطلقها، ممثلة بفصله بين مسار العلاقات السورية اللبنانية ومسار جريمة اغتيال الحريري، كذلك انخراطه في “دبلوماسية البرازق” كذلك الهدوء في العلاقات السورية اللبنانية، كما يشير الى ذلك بعض المسؤولين اللبنانيين، من شأنها أن توفر للمناخ الجديد زخماً في إعادة بناء العلاقات السورية اللبنانية على أسس جديدة. أضف إلى ذلك أن الاجماع على أن “إسرائيل” هي العدو الرئيسي للبنان، بخاصة بعد العربدة “الإسرائيلية” المستمرة من غزة إلى شبكة التجسس “الإسرائيلية”، من شأنه أن يساعد على بناء الثقة بين اللبنانيين والسوريين ولو بمزيد من الحذر، فالمنطقة العربية على كف عفريت كما يقال وكما هو واقع، والمساعي الأمريكية “الاسرائيلية” الرامية إلى “بلقنة” المنطقة و”عرقنتها” تنذر الجميع بالكارثة التي تنتظرهم، والديمقراطيات التوافقية التي يحتمي بها اللبنانيون، لاتسهم إلا في تأبيد التاريخ والوقوف عند مستوى الطائفة، ولذلك فإن التحدي الأول الذي يواجههم في هذه المرحلة هو بناء الدولة، وتعزيز علاقاتهم التاريخية بالجار السوري، وقد يكون تاريخ السادس والعشرين من الشهر الجاري فاتحة في صفحة العلاقات السورية اللبنانية كما بشرنا بري، بحيث من الممكن أن يوفر للجميع اجماعاً حول “البرازق السورية” التي تثير شهية الجميع بمن فيهم النائبان عون وجعجع.