خارج الحقوق السياسية للمواطن نستطيع افتراش مساحات للقمع يبدو أنها لا تدخل ضمن إطار عمل جمعيات حقوق الإنسان ... ومع الاحترام لما قامت به هذه الجمعيات من رصد لعمليات الاعتقال فإن باقي الانتهاكات تحاصرنا وكأنها ثقافة عامة ضرورية لحياة المواطن.

إحدى هذه الانتهاكات التي يمكن أن تشكل مثالا واحدا هي تخصيص حديقة عامة في منطقة كفرسوسة للنساء فقط. وذلك بناء على عريضة مقدمة من سكان الحي. وبغض النظر عن آلية اتخاذ مثل هذا القرار، لكن الواضح أن هذا الإجراء ربما يطال حدائق جديدة، وقد يصل إلى المدارس. على الأخص مع الهجوم المستمر لبعض المنابر التراثية ضد الحدائق – وليس السجون – باعتبارها أماكن للرذيلة.

وإذا كانت المسألة محصورة في مثال واحد، فإنها في نفس الوقت مغلفة بمصطلح "الرذيلة"، الذي يبدو أن يتخذ في الثقافة الاجتماعية موقعا يشبه "قانون الطوارئ" داخل الخطاب السياسي. فمسألة "الرذيلة" وما يتبعها من فساد، تشكل مادة إرهاب فكري مستمر تمارس ضد حق الأفراد في الحياة والاعتقاد. وتسلط ضد الأجيال ضمن عملية اغتيال جماعي للعقل وفق مطلقات تحد التفكير الحر. رصد انتهاكات حقوق الإنسان ربما يحتاج إلى توسيع في عملية ملاحقة سيل "الإرشاد" الجارف داخل وسائط النقل العامة على سبيل المثال، حيث يفرض السائق عليك قانونه ابتداء من أجره وانتهاء بما يسمعه للراكب عبر جهاز تسجيل هرم. ومتابعة واقع حقوق الإنسان يحتاج أيضا لمعرفة ما تفعله جمعية حقوق المستهلك .. أو حتى حقوق الطفل ... وصولا إلى حقنا في معرفة الفترة الزمنية التي يجب أن تمضي حتى نتوقف عن استنشاق هواء عادمات السيارات.

وإذا استطعنا ملاحظة الظواهر المباشرة، فإن الحالات التي لا نستطيع تلمسها بشكل سريع هي أيضا تحاصر حقوقنا ... فترشيد الكلام داخل وسائل الإعلام .. واختصار المترادفات في المواعظ أو حتى الخطب السياسي ينخر حقنا في الاستماع إلى الغاية بشكل مباشر ... من جديد .. دعوة لجمعيات حقوق الإنسان كي تطرح هذه الثقافة في دائرتها الأوسع .. فحقوق الإنسان مسألة نعيشها يوميا ويجب عدم حصرها في رصد الاعتقال السياسي فقط.