عندما تظهر ملصقات بمناسبة الثامن من تموز، ذكرى اغتيال أنطون سعاده، مكتوب عليها "وتستمر المقاومة"، فإن الذاكرة تخوننا باتجاه نوع المقاومة التي نحاول استعادتها. وليس اعتراضا على الملصق الذي حمل بشكله حقبة تاريخية، ولكن المناسبة نفسها ربما تعيد لنا عمليات التكرار الثقافي أو الفكري أو حتى "الاستشهادي"...

لا أحد يتمنى أن تتوقف المقاومة، ولا أحد يريد أن يصبح لها وجه واحد يعيدنا إلى حقبة الثمانينات من القرن الماضي، أو يقدم نموذج الأربعينات في تصفية الرواد، سواء تعلق الأمر بالمشانق التي علقت في السادس من أيار، أو في اغتيال عبد الرحمن الشهبندر، أو في تصفية أنطون سعاده عبر أسرع محكمة في التاريخ. فالوجه الواحد للمقاومة لا يختلف عن نمط التفكير الواحد، ولا عن رؤية الدنيا من منطق إفرادي يحتكر الحق. فالمقاومة "عملية" في جانبها العميق تحمل كل الإبداع لتطوير الذات والدفاع عنها ... والمقاومة أيضا ليست إجراء مراجعة للصور التاريخية لخلق صورة ذهنية عند "الجمهور الحالي" الذي ربما لا يعرف الصور القديمة، لكنها في العمق إنهاء الماضي من داخلنا كحالة تطوق العقل، والتفكير بالانطلاق نحو المستقبل عبر ما نريده ونفهمه، وليس عبر ما قدمه لنا رجال التاريخ فقط.

ما يفصلنا عن الثامن من تموز عام 1949 ليس عددا من السنوات، ولا امتداد الألم فقط ... بل مسيرة بشرية حققت قفزات بينما بقينا أسرى الذكريات ... وما يفصلنا عن عام 1983 الذي ظهر فيه "الفعل المقاوم الاستشهادي" تجاوز في الحدث والاستعارة وأنواع المقاومة الذي أصبح فيه "الجهاديون" قادرون على إثبات جدارتهم في قتل الناس وزرع الدم في العراق على الأقل.

الفاصل الزمني لم يعد يعني في صورة الواقع سوى رمزية يملكها الجميع، ويبقى السؤال عن المقاومة وكأنها الفعل الأخير الذي يملك لونا واحد، أو حتى "علامة" تجارية قادرين على استخدامها في كل زمان ومكان.

ربما علينا التذكر في 8 تموز أن الشهادة والمقاومة فعلان يحتاجان إلى التعبير المستمر عن ألوان مختلفة، وأنهما يصوران حركة المجتمع وليس انتهاء التاريخ عند حدود زمان ومكان خاصين.