قبل أشهر قليلة، او ربما أسابيع، تحدثت مصادر سياسية مطلعة استناداً الى معلومات صلبة ان كيل رئيس الحكومة فؤاد السنيورة قد طفح وأنه صار قاب قوسين او ادنى من تقديم استقالة حكومته. وعزت موقفه هذا الى اعتبارات متنوعة ابرزها اثنان. الاول، تباين في الرأي داخل الاكثرية الحاكمة، وتباين بينه وبين بعضها. وقد انعكس التباينان سلبا على العمل الحكومي وربما على معنويات الغالبية داخلها. اما الثاني، فهو شعور السنيورة، رغم الصبر الكبير الذي يتمتع به والحنكة التي اظهرها اثناء ممارسته في الرئاسة الثالثة، انه قد يدفع شخصيا ضريبة فشل حكومته الذي يُسأل عنه الاطراف السياسيون كلهم من معارضين وموالين، علماً انه بتصرفاته ومواقفه انما كان خير مدافع عن لبنان ومصالحه وبدرجة ثانية عن الاكثرية النيابية والحكومية، وبدرجة ثالثة عن الفريق السياسي الكبير الذي كان ولا يزال جزءاً اساسيا منه. غير ان سعاة الخير والاصدقاء اقنعوا رئيس الحكومة بالتخلي عن التفكير في الاستقالة، وتاليا بمتابعة مهمته لان البلاد لا تحتاج الى ازمة كبيرة جديدة وهي العائشة في خضم من الازمات المعقدة والمشكلات المركبة. هل لا يزال السنيورة على قرار الاستمرار في رئاسة الحكومة؟ نزع السنيورة فكرة الاستقالة من رأسه. لكن المعلومات المتوافرة عنه تشير الى انه "يتعرض"، اذا جاز التعبير، لنوعين متناقضين من النصائح في هذا الشأن ومن جهات صديقة له ومقدرة وصادقة في هذين التقدير والصداقة. النوع الاول يدعوه الى الاستقالة لأنه لن يتمكن من تحقيق اي من طموحاته واي من بنود البيان الوزاري الذي نالت حكومته الثقة على اساسه وكذلك لان الاوضاع في البلاد قد تشهد مزيدا من التردي وعدم الاستقرار على اكثر من صعيد. ومن شأن ذلك كله "احراقه" بتحميله مسؤولية كل التردي المشار اليه. ولا ينطلق اصحاب هذا النوع من النصائح من حرص شخصي عليه فقط، بل ايضا من حرص على لبنان واستقرار الاوضاع فيه. اذ يعتقدون ان صدمة استقالة السنيورة، اذا حصلت، لا بد من ان تضع كل الافرقاء من معارضين وموالين امام مسؤولياتهم، ولا بد من ان تدفعهم الى تسهيل امر الحكومة الحالية اذا عاد رئيسها عن استقالته او اذا تألفت حكومة جديدة، وذلك ممكن نظرا الى وجود جهات تتصف بالحكمة في معسكري الموالاة والمعارضة. اما النوع الثاني من النصائح فيدعو الرئيس السنيورة الى عدم الاستقالة في الظروف الراهنة انطلاقا من مسؤوليته حيال وطنه لبنان وكذلك من مسؤوليته حيال فريق الاكثرية النيابية الذي يمثله في الحكومة. وواضح ان اصحاب هذا النوع من النصائح ينطلقون من اقتناع بسوء نيات قسم كبير من المعارضين، رغم حكمة بعضهم، ومن سوء نيات الفريق الاقليمي الذي يقف وراءهم وخصوصا القريب جغرافيا منهم ومن لبنان. وسوء النيات هذا قد يوظف استقالة الحكومة لوضع البلاد امام المجهول. وهذا المجهول لن يكون ايجابيا بالتأكيد نظرا الى عدم الاستقرار السائد على اكثر من صعيد، والى عودة لبنان ساحة اساسية للصراع الكبير الدائر بين اميركا واوروبا بل المجتمع الدولي من جهة وسوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية من جهة اخرى، والى عودة الاطراف اللبنانيين ومعظمهم ادوات في هذا الصراع نظرا الى انقساماتهم الحادة وولاءاتهم المتناقضة التي تعلو عندهم الولاء للوطن. وقد يكون هذا المجهول فراغا حكوميا لتعذر تأليف حكومة بديلة. طبعا ستبقى حكومة السنيورة تصرف الاعمال في حال كهذه. لكن لبنان يحتاج الى اكثر من تصريف الاعمال. علما انها حاليا لا تقوم باكثر من ذلك، ربما ليس لرغبة منها في ذلك بل بسبب الاوضاع الراهنة المعروفة داخلا وخارجا. وتصريف الاعمال يعني الشلل، والشلل لا بد من ان يشرع الابواب امام الخراب لان رئاسة الجمهورية الممدد لشاغلها اميل لحود ثلاث سنوات قسراً هي ايضاً في حال شلل بسبب هذا التمديد ولاسباب اخرى معروفة. وفي حال كهذه لن يكون في مقدور مجلس النواب ملء الفراغ لانه بتكوينه هو انعكاس لتكوين مؤسستي الرئاسة والحكومة وكذلك انعكاس للوضع الشعبي "المميز" بتناقضاته، بل انه قد يقع في الشلل بدوره، وساعتها قد تسيطر النزعات بل النزاعات الطائفية والمذهبية على الوضع في البلاد ويتبلور خطرها الفعلي وهي التي صارت، وإن على نحو رسمي، المحرك الفعلي لكل السياسات والتصرفات عند الجميع. اي من نوعي النصائح المتناقضة المفصلة اعلاه افضل لرئيس الحكومة فؤاد السنيورة وللبنان؟ قد تكون الاستقالة افضل له على الصعيد الشخصي، لانه اثبت رغم صعوبة الظروف واستحالة تحقيق اي انجاز بسببها انه رجل دولة من طراز مهم، وهذا يكفيه وخصوصاً انه يؤكد انه ليس في وارد الاحتراف السياسي وتاليا التنافس، سواء مع الحلفاء او مع غيرهم. لكنها ليست الافضل للبنان في ظل الظروف الراهنة. فالصراع الداخلي بين حلفاء سوريا و"اخصامها" لم يُحسم بعد، والطموحات اللبنانية لسوريا لا تزال في رؤوس قياداتها والملفات اللبنانية التي يمكن ان يستعملها كل من الحلفاء والاخصام المذكورين لتعزيز وضعه او لتنفيذ حسم في مصلحته، كثيرة وكبيرة بل وخطيرة. واي فراغ يحصل، ولا سيما على المستوى الحكومي، قد يشرّع الباب امام محاولة الحسم، اي امام الخراب باعتبار ان الظروف الخارجية من اقليمية ودولية لم تنضج بعد على نحو يمكّن أيّاً من الفريقين المذكورين من الحسم لمصلحته. اما الافضل للبنان في هذه المرحلة فهو تماسك الاكثرية الحكومية المنبثقة من الاكثرية النيابية، واستمرار الطرف الأقوى والغطاء الفعلي للمعارضة في انتهاج سياسة الحكمة والتروي والبحث والمناقشة والحوار رغم "حماوة رؤوس" عدد من المعارضين. فذلك وحده يمكّن لبنان من انتظار الحسم الخارجي الذي قد لا يكون بالضرورة انتصاراً لفريق على آخر. فضلا عن ان السنيورة يحظى باحترام قادة العرب والعالم، ومعه حلفاؤه الاساسيون، ومن شأن ذلك ابقاء الاهتمام الدولي بلبنان متواصلا وإن على نار خفيفة احيانا. وهو احترام قد يحظى به مرشحون آخرون لمنصب رئاسة الحكومة، وهم قلائل جدا، لكن ارتباطات بعضهم قد تلقي ظلالا من الشك على امكان نجاحهم في تجنيب لبنان دخول المجهول.