نصر شمالي

في المشهد الهائل الراهن الذي تعيشه فلسطين العربية المحتلة لا يثير استغراب البعض ودهشتهم الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني العظيم، بل يثير دهشتهم واستغرابهم أن تهب الولايات المتحدة وأوروبا لإنقاذ الجندي الإسرائيلي الفرنسي/الأميركي الأسير، وأن تصبح عملية إنقاذه القضية الوحيدة المطروحة على سادة هذا النظام الاحتكاري العالمي، فكأن المستغربين المندهشين لم يسمعوا بعد بتصنيف العربي رقماً وحشياً يتوجب حذفه وبتصنيف الإسرائيلي قضية إنسانية تتوجب حمايتها، وهو التصنيف المعمول به منذ عشرات بل مئات السنين، وبالطبع فإنه لمن البديهي أن يباد الوحش لصالح الإنسان! كما أن البعض ما زالوا يتطلعون بعين الأمل إلى نجدة النظام العربي الرسمي لفلسطين والعراق، فكأنما هم لم يتأكدوا بعد بالملموس أن هذا النظام علينا وليس لنا، وأنه ضدّنا وليس معنا، وأنه خط الدفاع الثالث المثلوم في الجبهة الأميركية الأوروبية الصهيونية، وأن الأمل يمكن أن يبدأ فقط عندما يتحرّر الإنسان العربي من كل أمل بنظامه الرسمي، ويصنّفه كما هو حقيقة، ذراعاً للنظام الاحتكاري العالمي وليس عليه!

لا وجود لدولة إسرائيلية!

إن البعض لا يزال يجهل أو يتجاهل طبيعة المستوطنين الصهاينة في فلسطين العربية المحتلة، فموجات الاستيطان جميعها تشكلت من الأفّاقين المغامرين، المتعدّدي الجنسيات، الذين قدموا إلى بلادنا للإسهام في مشروع استعماري غربي تحت إمرة قيادة أجنبية، تماماً مثل تلك الموجات المتعدّدة الجنسيات التي اجتاحت القارة الأميركية وأبادت سكانها وأقامت الدول على أنقاضها وأجداثها! ولو عدنا إلى إحصاءات مطلع عقد السبعينات الماضي فسوف نرى فيها، على سبيل المثال لا الحصر، أن حوالي 200 ألف مستوطن إسرائيلي يحتفظون بجوازات سفر انكلو/ أميركية، وحوالي 300 ألفاً لهم صفة سائحين ألمان ونمساويين وتشيكيين وأفريقيين جنوبيين بيض ..الخ، وهذا الرقم مجتمعاً، القريب من النصف مليون، كان يشكل في حينه ربع سكان الكيان الصهيوني، كذلك كان هناك ما يقرب من مليون مستوطن إسرائيلي يحتفظون لأنفسهم بحق الخيار بين البقاء أو العودة إلى أوطانهم الأصلية، فإذا أخذنا عدد العرب الذين لم يغادروا وطنهم، والذي كان يزيد حينئذ على 300 ألفاً، نجد أن هناك من يسمّون مواطنين إسرائيليين بينما هم مستمرون في كونهم أجناساً أخرى، وأن الدولة التي يسمونها "إسرائيل" ويخشون احتمال زوالها لا وجود لها في الحقيقة والواقع، فلا شعب إسرائيلي، ولا وطن إسرائيلي، ولا دولة إسرائيلية، بل تجمعاً استيطانياً دولياً لا علاقة له بأي من هذه الصفات!

ولاء متعدّد لجنسيات متعدّدة!

منذ بداية مأساة فلسطين، وحتى يومنا هذا، يحتفظ معظم المستوطنين الإسرائيليين بولائهم لأوطانهم الأصلية، وهم جميعاً يعرفون معرفة أكيدة أنهم ليسوا في بلادنا سوى محتلين، مثل المستوطنين في الجزائر، بل هم يشعرون أكثر بالتضامن مع أوطانهم الأصلية، ولذلك نرى استعدادهم لارتكاب الجرائم ضدّ العرب لا حدود له، ولا يتفق مع ما يفترض في أناس يعتبرون هذه المنطقة منطقتهم، فهم يتصرفون في فلسطين المحتلة كأنما هي مركز إقامة ثانوي مؤقت سوف يغادرونه بالتأكيد سواء أطال الوقت أم قصر، ولذلك نجدهم لا يأبهون لما سوف تخلّفه جرائمهم من آثار رهيبة بعد رحيلهم! وتجدر الإشارة إلى أن معظم المشاريع الكبرى المسماة إسرائيلية ليست، بكل بساطة، سوى مشاريع أميركية أو أوروبية، الغاية منها تحقيق الثراء للشركات المتعدّدة الجنسيات، ينهض بها مستوطنون إسرائيليون متعدّدو الجنسيات، وليس هناك أي اعتبار جدّي حقيقي، ثقافي أو عقيدي، بحكم الصلات بين الأميركيين والأوروبيين والإسرائيليين، فالمشروع الصهيوني الاستيطاني المتعدّد الجنسيات مرتبط اليوم، قبل أية ذريعة شكلية، بالتوسع الاستعماري الأميركي وبالشركات المتعدّدة الجنسيات، وكان الكنيست الإسرائيلي قد أقر منذ عام 1952 قانوناً ينص على أن حيازة الجنسية الإسرائيلية لا توجب التنازل عن جنسية سابقة لها، وأن الإسرائيلي، الذي هو في الوقت نفسه من رعايا دولة أجنبية، يعتبر كالإسرائيليين المستوطنين وإن هو بقي في بلده الأصلي (المادة 14- الفصل الثالث- قانون الجنسية).

الطابع المؤقت للكيان الصهيوني

إن معظم الشخصيات الرسمية الإسرائيلية، بما فيهم المؤسسين الكبار، يحملون جوازات سفر غير إسرائيلية: ناحوم غولدمان، غولدا مائير، آبا إيبان، موشي دايان، إيغال آلون، مناحيم بيغن، وغيرهم ثم من تلاهم من أمثال ناتانياهو، بل إن بعضهم يحمل أكثر من جواز سفر واحد غير إسرائيلي، ويملك عقارات سكنية ومؤسسات تجارية في أميركا وأوروبا، وأيضاً يملك حق التصويت في انتخابات بلده الآخر، وقد كتب بيير روسيه يقول: في يدنا قائمة بالشخصيات الإسرائيلية التي تنتقل بانتظام إلى فرنسا في مواعيد الانتخابات الرئاسية أو التشريعية!

إن احتفاظ الإسرائيليين بجنسياتهم المتعدّدة يفسّر لنا سياسة العنف الإستئصالي التي يمارسونها ضدّ العرب، طوال الوقت وعلى مدى عقود، وأيضاً سياسة التمييز التي يمارسونها ضدّ اليهود الشرقيين، حيث ذلك يدلّ دلالة قاطعة على الطابع المؤقت لما يسمى "دولة إسرائيل"، لأن مثل هذه السياسة لا يمارسها إلا من يعتقد في أعماقه أن وجوده في فلسطين مرتبط بوجود المصالح الاستعمارية، وهذا الاضطهاد والعنف ضدّ الأبرياء العزّل يرتكبه من هو مطمئن إلى أنه سوف يكون بعيداً، في قارة أخرى، عندما تحين لحظة الحساب والعقاب القادمة لا محالة! يقول مراسل صحيفة معاريف الصهيونية في واشنطن:" إن كثيرين جداً، من اليهود وغير اليهود، يرون أن إسرائيل مخلوق إجباري أوجدته الولايات المتحدة ووضعته تحت حمايتها، ولذا فإن أي موقف معاد لأميركا سيتحول في حد ذاته تقريباً إلى موقف معاد لإسرائيل"!