لعل أهم ما يميّز عالمنا المعاصر على الرغم من كل التقدّم العلمي والتكنولوجي الذي يفيد الانتاج المادي في العالم هو استمرار ظاهرة الجوع، وهي ظاهرة، وإن كانت تتركز في الدول الفقيرة والتي تنتسب الى بلدان "العالم النامي" كما يقال، فإنها موجودة بدرجة أقل في الدول المتقدمة، وتطال شرائح معينة من السكان، تجد نفسها لسبب من الأسباب في دائرة الفقر والتهميش الذي يكون الجوع أحد نتائجهما الطبيعية. وطبقاً للمعطيات الرقمية المتداولة في أوساط معنية بمواجهة الجوع، فإن نحو سُدس سكان العالم يعاني الجوع، ولهذه الظاهرة العالمية حضور فج في الواقع العربي، حيث الجوع في أكثر من بلد عربي يمثل ظاهرة تترك أثرها الملموس في جوانب متعددة من الحياة العربية، وفي أوساط النساء والأطفال الذين هم الفئات الأكثر تأثراً بواقع الجوع بحكم سيطرة وتحكم الرجال والكبار على مداخيل الأسر وطرق صرفها. إن السبب الرئيس لظاهرة الجوع في البلدان العربية، هو في انخفاض مستويات الدخل وعدم تناسب مقدار الدخل مع قيمة الحاجات الأساسية ومنها قيمة المواد الغذائية الأساسية، ويؤدي الفقر من بين أسباب أخرى الى عدم المقدرة على تلبية الحاجة الى الغذاء، كما هو الحال في سوريا، التي يعيش نحو ثلث سكانها تحت خط الفقر بمعدل دخل يومي للفرد يبلغ نحو دولار واحد وذلك طبقاً لمعطيات دراسة عن واقع الفقر تشاركت فيها الأمم المتحدة مع السلطات السورية، وأعلنت نتائجها العام 2005، ويعجز مثل هذا الدخل عن تأمين وجبات غذائية أساسية لكل من يقع تحت مستواه أو بالقرب منه. ويماثل واقع حال الأردنيين والمصريين واليمنيين والمغاربة وكثير غيرهم من العرب واقع السوريين مع اختلاف في التفاصيل، الأمر الذي يجعل فئات اجتماعية في كل تلك البلدان أسيرة الجوع، لكن اللافت، أن يكون الجوع بين ظواهر موجودة في بلدان عربية تتصف بالغنى مثل الدول المنتجة للنفط، لكن الظاهرة هناك، تأخذ أشكالاً أقل حدة مما هي في البلدان العربية المصنفة بلداناً فقيرة. وباستثناء انخفاض مستويات الدخل وعدم تناسبها مع تلبية الاحتياجات الأساسية سبباً أساسياً للجوع، فإن الظروف السياسية وعدم الاستقرار، هي بين أسباب التي تعزز ظاهرة الجوع. وتبيّن ظروف الاحتلال الأجنبي لكل من فلسطين والعراق مقدار أثر الاحتلال في وجود الظاهرة وتعميمها على أوسع الفئات في البلدين. لقد كان بإمكان الفلسطينيين على الرغم من محدودية مواردهم، أن يعيشوا خارج ظاهرة الجوع، لكن الاحتلال من خلال سياسات نهب الموارد وسياسات الهيمنة الاقتصادية، وإغلاق المناطق في وجه تبادل السلع وانتقال العمالة ومنع دخول الأموال من الخارج بما فيها تحويلات الفلسطينيين الى أسرهم، دفع الى تعميق ظاهرة الجوع، ولاحظت الأمم المتحدة في ظل الأوضاع الحالية للفلسطينيين، أن أكثر من نصف سكان الضفة وغزة "لا يمكنهم تلبية حاجاتهم الغذائية اليومية من دون مساعدة" بفعل عدم دفع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وهذا جزء من حقيقة ظاهرة الجوع في الواقع الفلسطيني، لأن الظاهرة أوسع في ظل فقر وبطالة، وطبقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن نحو ثلثي الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة آخذة بالتصاعد لتقترب من ثلاثة أرباع عدد فلسطينيي الضفة وغزة في المدى القريب، أي أن أغلب هؤلاء سوف يدرجون في ظاهرة الجوع الفلسطيني. ويلعب الاحتلال الأميركي دوراً ملموساً في تصعيد جوع العراقيين، وباستثناء أنه دمر البنى التحتية للاقتصاد والمجتمع وللدولة العراقية، فقد نهب موارد العراق بالتعاون مع أزلامه، وكلفه فواتير كبيرة، سيظل العراقيون وقتاً طويلاً يدفعون أقساطها، كما عجز الاحتلال والحكومات التي أقامها عن الخروج بالعراق نحو تجاوز ما خلّفته الحرب، واستعادة الحياة الطبيعية ولو في حدودها الدنيا، وهذا فاقم الفقر والبطالة، وعمق ظاهرة الجوع، التي يمكن تلمس حضورها العراقي في محتويات تقرير دولي أعد خصيصاً لاجتماع لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أخيراً، وجاء فيه، أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة، أدت الى تزايد أعداد ومعاناة الأطفال العراقيين من سوء التغذية، وأن ربع هؤلاء يعاني سوء تغذية حادا. إن نظرة في ظاهرة الجوع في البلدان العربية، تكشف مقدار تردي السياسات العربية، أكثر بكثير مما تكشف نقص موارد تلك البلدان، وربما يؤشر ذلك بصورة واضحة الى الطريق العربي لمكافحة الجوع والتغلّب عليه.