يبدو ان فصل الصيف اللبناني قد يمر بحد اقصى من الهدوء رغم التصعيد السياسي الذي يقوم به "التيار الوطني الحر" ورئيس الجمهورية العماد اميل لحود وبعض مسيحيي "14 آذار"، علما ان الهدوء لا يعني الاستقرار، ويبقى خرقه ممكنا سواء تعمد ابطال اللعبة السياسية الدائرة في البلاد ذلك او فرضه عليهم حلفاء الخارج او استدرجهم اليه تطور غير محسوب. والجنوح نحو الهدوء المذكور فرضه على غالبية الاطراف السياسيين من موالين ومعارضين اقتناعها بتعذر تحقيق اهدافها المتناقضة وخوفها من انتقال الغليان بل الانفجار الاقليمي وخصوصا في العراق وبين اسرائيل والفلسطينيين الى لبنان وحرصها على اراحة "الشعوب" اللبنانية بتمكينها من محاولة تحسين وضعها الاقتصادي عبر موسم سياحي صيفي واعد. لكن السؤال: هل يستمر الهدوء المذكور الى ما بعد انتهاء فصل الصيف اي الى الخريف المقبل وما تبقى من السنة الجارية؟ والجواب عن سؤال كهذا ليس يسيرا. لكن ذلك لا يمنع متابعي الاوضاع اللبنانية بتشعباتها الاقليمية وتعقيداتها الدولية من محاولة استشراف هذا المستقبل القريب انطلاقا من الذي حصل في البلاد منذ خريف 2004 وانطلاقا من استحقاقات عدة بعضها بالغ الاهمية والخطورة مرتقبة في الاشهر الاخيرة من السنة الجارية. وتشير محاولة الاستشراف هذه الى استحقاقين مهمين في الخريف المقبل. الاول، صدور تقرير عن لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري يتضمن آخر ما توصل اليه رئيسها سيرج برامرتس وفريقه من معلومات ومعطيات واستنتاجات او بعض ما توصل اليه. وهذا الاستحقاق ينظر اليه المعنيون على تناقضهم بكثير من الحذر والتحفظ وربما بكثير من القلق، ذلك ان ايا منهم لم يستطع حتى الآن معرفة اذا كان عليه ان ينتظر تحقيقها بأمل او بخوف. فرئيسها المحترف لا يبدو شفافا مثل سلفه ديتليف ميليس. وعدم الشفافية هنا لا يعكس ذما او قلة تقدير بمقدار ما يعكس تقويما للشخصية. وفي تقريره الاخير لم يبدد عن عمد ربما آمال الذين يشتبهون بدور سوري ما في اغتيال الحريري. كما انه لم يبدد آمال السوريين او حلفائهم اللبنانيين في اخراج النظام السوري او بعضه من دائرة الشك والاشتباه. وعلى العكس من ذلك فقد أبقى سيف الاتهام مصلتاً فوق رؤوس الجميع. اما الاستحقاق الثاني فهو المحكمة ذات الطابع الدولي التي يفترض ان تؤلف بعد الاتفاق على الامور الكثيرة المتعلقة بها اولا بين الحكومة اللبنانية والامم المتحدة. وثانيا، داخل لبنان وتحديدا مؤسساته الدستورية. ويتوقع متابعون من قرب لهذا الاستحقاق ان تنتهي المشاورات الدولية – اللبنانية حوله اواخر الصيف الجاري اي بداية "التشارين" وخصوصا اذا كانت لجنة التحقيق الدولية اظهرت او على الاقل أوحت بطريقة ما انها صارت قريبة جدا من الوصول الى استنتاجات نهائية تمكنها من رفع تقرير صلب يمكن ان تعتمده المحكمة ذات الطابع الدولي كمضبطة اتهام او كقرار ظني او اتهامي. هذان الاستحقاقان المفصلان اعلاه سيحددان، مع قضايا اخرى طبعا، مصير الخريف المقبل وما يليه. والمرجح في نظر المتابعين مع تقدم العمل لانشاء المحاكمة واتضاح مسار التحقيق الدولي او استمرار غموضه، ان تسود الحماوة في المرحلة المشار اليها. وستكون هذه الحماوة سياسية داخل مجلس الوزراء الذي سيكون عليه اقرار الاتفاق على المحكمة مع الامم المتحدة. اذ ليس هناك ما يمنع اختلاف اعضائه بل الكتل السياسية المتمثلة فيه حول هذا الموضوع انطلاقا من خلفيات سياسية محلية واخرى اقليمية معروفة. وليس هناك ما يمنع الاختلاف على من يمثل القضاء اللبناني في المحكمة وعلى عددهم. وليس هناك ما يمنع الاختلاف على انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، وليس هناك ما يمنع انتقال الاختلافات المذكورة واخرى كثيرة غيرها الى مجلس النواب حين يبدأ القيام بواجبه حيال ملف المحكمة ذات الطابع الدولي. الا ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تبقى الحماوة المتوقعة سياسية ام تتجاوز السياسة الى العنف سواء الفردي او الجماعي؟ ولا جواب سهلاً عن ذلك. لكن التجارب التي مر بها لبنان اثناء الحرب وبعدها وخصوصا في السنتين الاخيرتين لا تشجع على استبعاد تحول الحماوة السياسية حماوة ميدانية. وقد لا يكون ذلك صعبا في ظل الأعصاب التي يزداد "انشدادها" مع اقتراب موعد المحكمة والتقرير الدوليين وفي ظل تأكد كثيرين من ان مجرد صدور تقرير واضح، ايا يكن اتجاه الاشتباه فيه وتأليف المحكمة، لا بد أن يعني الانتصار لفريق والانكسار لآخر. والانعكاسات الميدانية لذلك معروفة. طبعا نحن لا نوحي هنا ان الحماوة قد تأتي من فريق واحد تحمله جهات لبنانية معينة مسؤولية اغتيال الحريري. بل انها قد تأتي من اكثر من فريق في ظل انكشاف لبنان وتحوله ساحة واسعة لكل انواع المخابرات في العالم والصراع الاقليمي الدولي الحاد الدائر حاليا وخصوصا للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي المتناغم. هل يمكن تلافي هذا النوع من الحماوة الميدانية؟ نظريا يمكن ذلك في حال تحلى اطراف لبنان او الاساسيون منهم بالحكمة وفي حال غلّبوا انتماءاتهم الوطنية على اي انتماء آخر وفي حال نصحوا حلفاء الخارج القريب والبعيد باخذ مصلحة لبنان في الاعتبار وليس مصالحهم فحسب. اما عمليا فان التجارب الكثيرة في لبنان لا تشجع الا اذا فاجأ اللبنانيون انفسهم قبل العالم. ل