نصر شمالي

انطلقت أوهام التسوية السياسية للقضية الفلسطينية على أوسع نطاق بعد انتفاضة أطفال الحجارة، أواخر الثمانينات الماضية، تلك الانتفاضة التي قلبت الموازين، وأحدثت إرباكاً عظيماً في جبهة الأميركيين والإسرائيليين، ولقد كان الأميركيون وراء انطلاقة الأوهام، حيث راحوا يعبّئون الجهلة والمتعبين والانتهازيين والمتواطئين من أجل ما وصفوه بالحل السياسي، بينما هو في حقيقته محاولة لتطويق وإبادة التطور النوعي في الأداء الكفاحي الفلسطيني قبل أن يستفحل أمره ويخرج عن السيطرة، ليس في فلسطين وحدها بل في المنطقة عموماً، وهاهم يدعون اليوم إلى حلّ سياسي في العراق المحتل بينما قواتهم في فلسطين تخوض معركة الحسم النهائي العسكري ضدّ الشعب الفلسطيني، حسب تقديراتهم وتوقعاتهم. ومثلما يقولون اليوم أن لا شريك فلسطيني يفاوضونه سوف يقولون غداً أن لا شريك عراقي يفاوضونه، لو حدث واختل ميزان القوى في الميدان العراقي لصالحهم! لا وجود في برنامج المحتلين لحل سياسي يضمن الحدّ الأدنى من حقوق العرب، اللهم إلا إذا كان تنازل العرب عن جميع حقوقهم من دون مقاومة يشكل حلاً! فقبل أكثر من تسعين عاماً صرح حاييم وايزمان الرئيس الأول للكيان الصهيوني ، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1914، بما يلي:" نستطيع القول أنه إذا وقعت فلسطين ضمن منطقة النفوذ البريطاني، وإذا شجعت بريطانيا استيطان اليهود فيها كمحمية بريطانية، يمكن أن يكون هناك مليون يهودي خلال عشرين إلى ثلاثين عاماً، وهم سوف يطوّرون البلاد، ويعيدون إليها الحضارة، ويكونون حارساً فعالاً لقناة السويس"! وها هم الإسرائيليون يواصلون مهمتهم اليوم في حراسة منطقة السويس من أهلها العرب، بعد أن تحوّلوا من محمية بريطانية إلى محميّة أميركية، وها هم يعملون على تطوير البلاد وإعادة الحضارة إليها، بإخلائها من العرب وإحلال الأتباع والعبيد محلهم، وبإشاعة الثقافة الأميركية الصهيونية السرطانية بديلاً للثقافات الوطنية القومية وللتراث الحضاري العربي الإسلامي المشترك.

* * *

في عام 1998 أقرّ الكونغرس الأميركي قانون تحرير العراق، وحظي القرار بتوقيع الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون! وكان ذلك القانون المتخفي وراء عنوان مضلل يتضمن الخطة القائلة بأن تقويض العراق سوف يعني إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، فهو سيفتح جميع الملفات ويحركها، وقد جرى إبلاغ الإسرائيليين مسبقاً (عام 1996) من قبل معدّي الخطة، وجلّهم من اليهود الأميركيين المرتبطين بالليكود، أن إعادة تشكيل المنطقة، بعد احتلال العراق، سوف تكون لصالحهم وسوف تمكنهم بداهة من ضم الضفة الغربية وتهجير الفلسطينيين إلى الأردن!

لقد شهدت فترة أواسط التسعينات نشاطات تحضيرية أميركية صهيونية محمومة، لم تقتصر على الولايات المتحدة بل شملت البلاد العربية أيضاً، حيث نجاح المخططات الأميركية الصهيونية يشترط مشاركة بعض العرب في تدمير بلادهم وتقويضها وإعادة تشكيلها! وقد ساهمت الأوضاع الداخلية العربية في تسهيل مهمة العصابة الأميركية الصهيونية الليكودية، التي سرعان ما وجدت من يستجيب لنداءاتها، خاصة بعد أن أضافت إلى برنامجها قضايا حقوق الإنسان، وقد كانت تستبعدها لصالح حلفائها المستبدين الفاسدين، وهكذا، في تشرين الأول/ اكتوبر عام 1995 على سبيل المثال، عقدت في واشنطن ندوة تحت عنوان: العلاقات الأميركية العربية وتحدّي المشاركة! لقد أشرفت على تنظيم الندوة هيئة تحمل اسم: مؤسسة الديمقراطية والتغيير السياسي في الشرق الأوسط! إنها هيئة يرأسها دانيال بومبرغ، وتتشكّل من عتاة الأميركيين اليهود الليكوديين، معظمهم من أصول يسارية تروتسكية، وهم سوف يحتلون أعلى المناصب القيادية في عهد بوش الابن.

لقد حضر تلك الندوة عدد من العرب، من مختلف الأقطار العربية، وكان من أبرز الحاضرين الأميركيين الصهاينة الليكوديين: بول وولفويتز شخصياً! وقد لخص بعض الحضور العرب رأيه بموضوعات الندوة على النحو التالي، وبالحرف تقريباً: نحن لا نرى عيباً في أن تصوغ الولايات المتحدة سياستها الخارجية في المنطقة العربية لخدمة مصالحها، فكل دول العالم تراعي مصالحها، لكن ما يجب الحديث بشأنه هو تحديد هذه المصالح على وجه الدقة، وجعلها تتلاءم وتتعايش وتتفهمّ المصالح العربية!

* * *

ليس ثمة ريب في إن تلك الندوات هي التي سلّحت المحافظين العرب الجدد برؤيتهم المتكاملة التي نسمعهم يجهرون بها اليوم وخلاصتها: الموافقة ضمناً أو علناً على احتلال العراق، وإدانة المقاومة باعتبارها إرهاباً، والإعلان عن انتهاء القضية الفلسطينية والتسليم بالكيان الصهيوني المتحضر العلماني الديمقراطي، والتطلع إلى الولايات المتحدة كمخلص للأمة من تخلفها وهمجيتها، ومن ثقافتها التافهة وتراثها المشين!

ولكن ماذا كان ردّ الأميركيين اليهود الليكوديين على مداخلات العرب الذين حضروا تلك الندوة عام 1995 في واشنطن؟ لقد قالوا أنهم يريدون من الولايات المتحدة أن تحدّد مصالحها في بلادنا بدقة بعد أن تتحول هذه البلاد إلى ديمقراطيات ليبرالية! وقد أجابهم بول وولفويتز على سؤالهم بسؤال، فقال: كيف سيتعامل نظام سياسي عربي ليبرالي ديمقراطي مع وجود "إسرائيل" وأمنها؟ وأجاب بنفسه على السؤال: إذا قبل مثل هذا النظام مثل هذه الحقيقة (حقيقة وجود إسرائيل وأمنها) فمرحباً به، أما إذا لم يقبلها فستكون مصالحنا متعارضة! وعاد وولفويتز يوضح بطرح سؤال آخر: كيف سيتعامل هذا النظام الديمقراطي العربي مع مسألة الإمدادات النفطية، ليس من جهة التسعيرة المعتمدة بل من جهة استخدامه المحتمل للإضرار بالاقتصاد الأميركي؟ أجاب وولفويتز على السؤال الذي طرحه بقوله: إذا ظهر مثل هذا الاتجاه فإن المصالح الأميركية سوف تتعارض حتماً مع مصالح النظام الديمقراطي العربي المفترض قيامه! وتابع وولفويتز بسؤال ثالث: ماذا لو أدت الديمقراطية إلى ظهور حركات سياسية مثل التي ظهرت في الجزائر وإيران ودول أخرى؟ أجاب: هاهنا أيضاً لن تتطابق المصلحة الأميركية مع انتشار الديمقراطية!

* * *

لقد كان بول وولفويتز، في عقد السبعينات الماضي، عضواً في فريق (باء) الاستخباراتي، الذي أنشأه جورج بوش الأب حين كان مديراً لوكالة المخابرات المركزية الأميركية، ولم يغادر وولفويتز دوائر الاستخبارات ووزارة الحرب الأميركية أبداً حتى يومنا هذا، وهو كان المشرف على إعداد واحدة من أهم الوثائق التأسيسية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تلك التي أعدها عام 1992 كل من زلماي خليل زاد وأبرام شولسكي، والتي تنهض على محور أساس هو احتلال العراق، كما أنه هو المشرف على تأسيس فروع الأممية الليبرالية في بلادنا، وعلى صياغة رؤيتها المتكاملة التي نصطدم بها كيفما توجهنا اليوم عبر الفضائيات!