مخاوف من مضي اسرائيل في عملياتها حتى تحقيق أهدافها

من المبكر اجراء تقويم لنتائج المواجهة العسكرية بين اسرائيل و"حزب الله" ولا بد من انتظار نهاية هذه المواجهة لاجراء تقويم لها. لكن مصدرا وزاريا تساءل ماذا لو عاد الوضع بين لبنان واسرائيل الى ما كان عليه قبل عملية خطف الجنديين الاسرائيليين. وتكون التضحيات البشرية والمادية ذهبت سدى، فلا "حزب الله" يسلم اسرائيل هذين الجنديين، ولا اسرائيل توافق على مبادلتهما باطلاق أسرى لبنانيين في سجونها. فماذا تكون حققت عملية الخطف عندئذ سوى الحاق أضرار بشرية ومادية جسيمة بلبنان وانتظار الظرف السياسي المناسب للدخول في مفاوضات غير مباشرة لتبادل الاسرى بين اسرائيل و"حزب الله" وهي مفاوضات كان في الامكان انتظار حصولها من دون تعريض لبنان لكل هذه الخسائر. ومن جهة اخرى، اذا كان الاسير اللبناني في اسرائيل عزيزا على قلب ذويه، فان من سقطوا قتلى من اجل اطلاق أي أسير، أعزاء ايضا على قلوب ذويهم، فكيف اذا لم يؤد سقوطهم الى اطلاق أي أسير في اسرائيل؟ ثمة من يقول ان اسرائيل تضررت بشريا وماديا كما تضرر لبنان وان "حزب الله" يشكل قوة ردع وتوازن رعب مع اسرائيل يحولان دون توسيع رقعة العمليات العسكرية داخل لبنان، فيجيب المصدر الوزاري على ذلك ان اسرائيل لم تتضرر بقدر ما تضرر لبنان حتى الآن. وهب ان الضرر كان متعادلا فان اقتصاد اسرائيل يستطيع تحمل الخسائر البشرية والمادية التي لحقت به فيما اقتصاد لبنان الهش لا يستطيع تحمل ذلك. وان اسرائيل تستطيع الحصول على المساعدات المالية التي تحتاج اليها لتعويض ما لحق بها من خسائر في حين ان لبنان لم يعد في استطاعته الحصول على مثل هذه المساعدات خصوصا وهو يرزح تحت عبء دين بلغ 40 مليار دولار ولم يتمكن رغم كل المحاولات التي قام بها من اطفاء جزء من هذا الدين. واذا كانت زيادة الرسوم والضرائب التي اقترحت في "الورقة الاصلاحية" قد قوبلت بالرفض، فهل تصبح مفروضة ولا مفر منها لتعويض ما أصاب لبنان من خسائر بشرية ومادية من جراء المواجهة العسكرية مع اسرائيل؟ لقد باتت اسرائيل أسيرة موقفها الرافض مبادلة الاسرى اللبنانيين بالجنديين الاسرائيليين الاسيرين، وبات "حزب الله" أسير موقفه الرافض اطلاق هذين الجنديين الا بالتفاوض غير المباشر لمبادلة الاسرى. فكيف الخروج من هذا المأزق؟ هل باستمرار المواجهة العسكرية الى أجل غير معروف؟ هل بالقبول بوقف اطلاق النار والعودة بالوضع الى ما كان عليه قبل عملية خطف الجنديين الاسرائيليين؟ ان اسرائيل لا تقبل بتبادل الاسرى مع "حزب الله" لئلا تضطر الى القبول بتبادل الاسرى مع السلطة الفلسطينية، ويصبح خطف أي جندي اسرائيلي وسيلة ضغط لجعل اسرائيل توافق على اطلاق ما لديها من اسرى مقابل اطلاق هذا الجندي. وختم المصدر الوزاري بالقول ان خطف الجنديين الاسرائيليين جعل لبنان مثل غزة، بل جعل السلطة فيه مثل السلطة الفلسطينية، هنا سلطتان: سلطة الحكومة اللبنانية التي لا سلطة لها، وسلطة "حزب الله" التي يعود اليها القرار، وهناك سلطتان: سلطة رئيس الدولة محمود عباس "أبو مازن" الذي لا سلطة له، وسلطة حكومة "حماس" التي تمتلك القرار فتأسر جنديا اسرائيليا من دون علم رئيس الدولة الفلسطينية، وسلطة "حزب الله" تخطف جنديين اسرائيليين بدون علم الحكومة اللبنانية وهي التي تحدد شروط اطلاقهما. الواقع، انه كتب للبنان ان يتعرض لحوادث أمنية واضطرابات كل 15 او 20 سنة. فبعدما واجه حوادث التخلص من الانتداب الفرنسي للحصول على الاستقلال عام 1943، فانه واجه حوادث عام 1958 بفعل الصراعات الاقليمية والدولية، وعام 1975 واجه حربا مع الفلسطينيين المسلحين الذين اتخذوا ارض لبنان منطلقا لتحرير فلسطين من الاحتلال الاسرائيلي، فكانت النتيجة ان غرق لبنان في حرب دامت 15 سنة تعرض فيها للدمار والخراب، وعوض تحرير ارض فلسطين، احتلت اسرائيل جنوب لبنان ودخلت العاصمة بيروت، واخرج المسلحون الفلسطينيون من لبنان الى تونس وعندما تم تحرير الجنوب ظن اللبنانيون انهم سيرتاحون ويعيشون هدنة غير معلنة مع اسرائيل لكن لبنان عاد ليواجه حربا مع اسرائيل ليس من أجل تحرير مزارع شبعا، بل من أجل تحرير أسرى لبنانيين في سجون اسرائيل، وقد يدفع لبنان غاليا ثمن تحريرهم، او انه قد يدفع الثمن بدون التوصل الى تحريرهم... وما تخشاه اوساط سياسية مراقبة ان تستمر المواجهة العسكرية مع اسرائيل الى ان تفرض على لبنان شروطها وهي تنفيذ ما تبقى من القرار 1559 أي نزع سلاح "حزب الله" ونزع سلاح الفلسطينيين، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كل اراضيها بما فيها الجنوب. واذا كانت الولايات المتحدة الاميركية والمجتمع الدولي منحا لبنان فترة سماح غير محددة لتنفيذ هذا القرار حرصا منهما على الاستقرار في لبنان، اما وان هذا الاستقرار قد سقط، بفعل خطف الجنديين الاسرائيليين وحصول مواجهة عسكرية مع اسرائيل، فصار لا بد من تنفيذ ما تبقى من القرار 1559، لئلا يبقى الاستقرار في لبنان معرضا للخطر مع بقاء السلاح خارج الشرعية. والسؤال الذي يبقى مطروحا هو: الى أين ستنتهي المواجهة العسكرية مع اسرائيل، والى متى تستمر، ومن ذا الذي يحقق أهدافه من خلالها، اسرائيل أم "حزب الله"؟ في معلومات مصادر سياسية ان اسرائيل أبلغت الى الولايات المتحدة الاميركية ردا على تدخلها لوقف العدوان على لبنان، انها لن توقف عملياتها العسكرية الا بعد ان تحقق أهدافها...