الازمة الخطرة التي نشبت بين لبنان واسرائيل، عقب اقدام "حزب الله" على خطف جنديين اسرائيليين من داخل الحدود الاسرائيلية قبل ايام، صارت الشغل الشاغل للمجتمع الدولي كله، وغطّت او كادت ان تغطي على الوضع المأسوي في الاراضي الفلسطينية المحتلة الذي تسبب به خطف فصائل فلسطينية جنديا اسرائيليا قبل مدة قصيرة، علما ان السبب الاساسي لكل المشكلة الفلسطينية والمشكلات التي تفرعت منها انما هو احتلال اسرائيل اراضي فلسطينية عام 1967 وعدم نجاح العالم في اقناعها واقناع الفلسطينيين بالجلوس معا للتوصل الى حلول وسط معقولة لكل ذلك باعتبار ان الحلول الجذرية التي ترضي الطرفين مستحيلة. والسبب الاساسي لتحولها "شغلا شاغلا" للعالم هو جوانبها او بالاحرى خلفياتها الاقليمية المتنوعة التي جعلتها كما جعلت لبنان ومن زمان جزءا من المواجهة الدولية واستطرادا الاميركية – السورية – الايرانية او ساحة لها. وهو ايضا ان الفشل في حلها لا بد ان ينعكس سلبا على الساحات الاقليمية الاخرى لهذه المواجهة، وفي مقدمها العراق و"فلسطين". انطلاقا من ذلك، قرر الكبار في العالم التحرك، فأعلن الامين العام للامم المتحدة ارسال وفد رفيع المستوى الى المنطقة خلال ايام، وأوصت واشنطن مساعد وزير خارجيتها ديفيد ولش والسيد إليوت ابرامس الموجودين في المنطقة اساسا للبحث في الازمة الفلسطينية – الاسرائيلية الجديدة بالتركيز على الازمة اللبنانية – الاسرائيلية. وربما تكون هذه الازمة مع ازمة الشرق الاوسط الاساسية بندا رئيسيا وربما اول على جدول قمة الدول الثماني التي ستستضيفها موسكو الاسبوع المقبل. هل يعني ذلك ان المجتمع الدولي سيبدأ سريعا العمل بل الضغط الجدي لمنع الازمة اللبنانية – الاسرائيلية من التوسع؟ الجواب عن هذا السؤال ليس سهلا. لكن المعلومات الواردة من بعض الجهات الاميركية لا توحي ان الازمة صارت في نهايتها، لان المطلوب قبل وصولها الى هذه النهاية تحقيق اهداف تجعل تكرار الازمة صعبا. وواضح ايضا اننا لسنا في هذه المرحلة الآن، ولا احد يعرف اذا كنا سنبلغها. أما ما تلفت اليه المعلومات المذكورة فهو ان حكومة ايهود اولمرت تبدو عازمة ومصممة على معاقبة "حزب الله" ومقاتليه وجمهوره في حال استمر في تأييده له ودعمه اياه. وهو ايضاً ان الاميركيين، على وجه العموم، صدموا بما يعتبرونه خطأ في الحسابات وقعت فيه قيادة هذا الحزب وادى الى نشوء الوضع الراهن الخطر. وسبب الصدمة انهم كانوا يعتقدون، رغم عدائهم له، ان قيادته عاقلة وحكيمة في الحسابات الدقيقة. وهو ثالثا، ان الايام المقبلة ستوضح بالتطورات التي ستشهدها الاتجاه الذي ستسلكه الازمة بين لبنان "حزب الله"، اذا جاز التعبير، واسرائيل. وقد يعكس حجم الاحتياط العسكري الذي ستدعوه حكومة اولمرت الى الخدمة الفعلية صورة حقيقية عما تعتزم الاقدام عليه في جنوب لبنان، بل في لبنان كله. ويعني ذلك ان الايام المشار اليها ستكون حاسمة او مقررة. وهو رابعا، ان حكومة ايهود اولمرت تملك حرية كاملة في التصرف والعمل في ما يخص لبنان، وان احدا وخصوصا من المسؤولين الاميركيين لن "يمسك زندها" كما يقول اللبنانيون او "يدفعها" الى التراجع. وهو خامسا، ان "غضب" هذه الحكومة عسكريا سواء جنوبا او ضاحية قد يكون الهدف منه التسبب بحركة نزوح واسعة جدا شبيهة بما كان يحصل في تسعينات القرن الماضي والتسبب في الوقت نفسه بعدم الاستقرار في العاصمة، وربما خارجها، لان الظروف العامة للنزوح المرتقب ليست مشابهة لظروف النزوحات السابقة من حيث الاجواء الوطنية التي اوجدت في حينه مناعة تبين لاحقا انها وهمية. وهو سادسا، ان الادارة الاميركية، وتحديدا رئيسها جورج بوش مع عدد من حلفائه الدوليين، يحاولون لفت حكومة ايهود اولمرت الى مسؤولية سوريا عن اعمال "حزب الله" قديمها والجديد، ويعتبرون ذلك حضا غير مباشر على استهداف سوريا عسكريا، وإن على نحو غير شامل، مع استعداد لتغطية ذلك او على الاقل لدعمه الى ان تستكمل اهدافه. وهو سابعا، ان الادارة الاميركية وعددا من حلفائها الدوليين يحاولون بوسائل متنوعة تخفيف العبء او "الحمل" عن الحكومة اللبنانية ذات الاهداف التغييرية وان غير المنجزة حتى الآن وتلافي سقوطها سواء بفعل العملية العسكرية الاسرائيلية، او بفعل تطورات غير محسوبة في الداخل اللبناني. طبعا، لا يعتقد لبنانيون كثيرون وغير لبنانيين ان اميركا جادة في مساعدة او بالاحرى في حماية ما يسمونه "لبنان السياسي" الذي ظُن انه قام عام 2005 بدعم وحماية دوليين. والسؤال الذي يطرحه اميركيون في هذا المجال هو: ماذا على اميركا ان تفعل لتوفير هذه الحماية؟ او ماذا يمكن ان تفعل في ظل الوضع الراهن في العراق والمواجهة مع ايران؟ ولا تنوي اميركا وغيرها استعمال عسكرها لحماية "اللبنان" المذكور ولمواجهة الجهات الاقليمية التي تعوق استكمال قيامته، فضلا عن ان خلافات الداخل حول الاساسيات في لبنان تجعل من اي دعم خارجي عملي متعذرا. علما ان على الذين ينتقدون اميركا لتقصيرها في حماية "لبنان السياسي"، كما سموه، ان يتذكروا اولوياتها واهمها النفط وأمن اسرائيل، ومن خلال هاتين الاولويتين تتحرك اميركا في الشرق الاوسط. وهذه حقيقة مرة لا بد من التعامل معها لبنانيا وعربيا في زمن الانحطاط اللبناني، بل الانحطاط العربي. ويبدو ان معظم العرب يتعاملون معها بعضهم مباشرة، وبعضهم على نحو غير مباشر. في النهاية يلفت الاميركيون، استنادا الى مصادر ديبلوماسية مطلعة، الى امر مهم هو ان نجاح سوريا بشار الاسد في الخروج سالمة او باقل اذى ممكن من الازمة اللبنانية – الاسرائيلية الخطرة الراهنة يعني نهاية لبنان الديموقراطي والحر والسيد والمستقل الذي املت فيه اميركا وغالبية اللبنانيين.