حدية الخيارات هي الصورة الأقوى التي يمثلها اليوم مسار العودة إلى مفهوم الصراع العربي – الإسرائيلي، فعندما نختلف على أغراض وتوقيت المعركة الحالية، أو حتى نكتب لنحدد طبيعة المعادلة الجديدة، فإننا نؤكد أيضا مسارا لم نخرج منه رغم اعتقادنا في مرحلة سابقة أن أولوياتنا اختلفت، فتراجعت مسألة "الصراع" أو انحسر الهم الإقليمي نحو التعامل مع الهم الديمقراطي.

ربما علينا أن نسجل لما يجري اليوم القدرة على كسر المعادلات الداخلية، وضرورة النظر بعمق إلى الطبيعة الحدية التي تنظر إليها إسرائيل والولايات المتحدة لعناصر الحرب الحالية، لأن المعركة كانت تتطور قبل أسر الجنديين، ومعركة الديمقراطية التي حملتها الولايات المتحدة انتقلت لمواقع أخرى، بعد أن تحول صراع الديمقراطيات إلى نظريات في طبيعة الطوائف، وإنها تعبير الدولة على حساب المرجعيات الدينية ... هذا ما جرى في العراق على الأقل أو ما قدمته تجربة صناديق الاقتراع في فلسطين ومصر، لنصل في النهاية إلى نفس نقطة البداية، فصناديق الاقتراع أكدت "الحرب" بدلا من أن تحمل السلام.

والحرب الحالية التي يتم التعامل معها في كثير من الأحيان على أنها تحمل أيضا مرجعية طائفية، لكنها سجلت مسارا لا يمكننا التعامل معه وكأنه قادم من مراكز الدراسات في الولايات المتحدة. هذه المراكز أعطت بعضا من رأيها على "قناة الحرة" خلال اليومين الماضيين، وكان أخطرها ما قيل اليوم على أن الموقف المصري والأردني والسعودي هو انتفاضة "سنية"!!! والقياس هنا قائم على طبيعة التحالفات والخلافات الأمريكية مع إيران، وعلى نتائج التعامل مع العراق على أساس إنهاء الدولة على حساب المرجعيات الطائفية.

بالطبع ليس مطلوبا اليوم تحليل الموقف الأمريكي، فمع كامل الاحترام لأدوات البحث العلمي، لكن معادلات التوازن الداخلي تحمل عناصر أكثر عندما يبدأ البحث في التعامل مع طبيعة الحرب التي تنتشر الآن بشكل سريع، وشهدت فصول إبادة في فلسطين وتنتقل نحو محاولة قلب المعادلة على شاكلة "الطوائف" التي تراها "مراكز الأبحاث" كتعبير أمثل عن مجتمعاتنا.

السيد حسن نصر الله تحدث عن حرب مفتوحة، وهي بالفعل مفتوحة على مساحات أوسع من العمل العسكري، لأن كسر الإرادة إذا تم اليوم فلن يقوم على فعل تجميع جديد للمجتمع والدولة، فهو كسر إرادة للعودة لما قبل الدولة، وإلى المفهوم الذي يريده البعض أن ينتصر لأنه "أكثر ديمقراطية في التعبير"!!!

"معركة" الديمقراطية خسرت لأن الولايات المتحدة حاولت عبرها اختراق المفاهيم التي جمعت في القرن الماضي المجتمع، والمعركة مع إسرائيل كانت تخسر لأنها أيضا سارت وكأنها "الكل" والجامع والقادر على تأجيل كافة المسائل الداخلية ... ويبدو اليوم أننا أما مسألتين متلازمتين حيث لا يمكننا الهروب من "المفاهيم" التي استهلكت كشعارات للمعركة على إسرائيل، ولا يمكننا أيضا التخلي عن "صراع الحداثة" داخل المجتمع بكل ما يحمله من مسائل الديمقراطية والمواطنة والإصلاح وغيرها....

بروز الحرب مع إسرائيل ليس عودة تاريخية، لأن علينا قبل كل شيء إدراك أن هذه الحرب كانت حاضرة في كل اللحظات التي بدأنا فيها الاقتناع بخيارات جديدة، فنحن أمام مساحات من العمل تتجاوز الثنائيات المعهودة، فالمسألة حيوية أكثر من المحاور السياسية التي تظهر اليوم عبر بعض التحليلات السياسية.