إيفاد لارسن ليس إيفادا لمبعوث دولي لتقصي حقائق وتقديم تقرير. إيفاد لارسن هو بحد ذاته موقف. فالرجل ليس فقط رجل حزب العمل الإسرائيلي في مسألة الصراع مع الفلسطينيين، بل هو رجل الموقف الإسرائيلي من المقاومة اللبنانية. إنه طالب دية شرف باراك بعد الانسحاب، والمشرف على تنفيذ القرار .1559 لا يعتبر لارسن عبور الخط الأزرق خطا أحمر فحسب، بل يعتبر المقاومة اللبنانية ميليشيا داخلية. إنه رجل مقولة <الشرق الأوسط الجديد> القديمة بامتياز، و<الشرق الأوسط الجديد> يعني في ما يعنيه <تطبيع> علاقة الدول العربية مع بعضها بحيث تتساوى علاقاتها مع علاقات كل منها مع إسرائيل في أفضل الحالات. وهو الناقم الأبدي على ياسر عرفات الذي افسد طبخة أوسلو ولم يتصرف كما رسم له. ولذلك تختلط لديه المرارة والحقد على <المتطرفين العرب> بالخيبة وتوقع العجز من <المعتدلين العرب> الذين يجب أن يثبتوا دائما أنهم على قدر توقعات المؤسسة الإسرائيلية منهم. هذا هو الأساس. أما الزيارات المكوكية فتطمسه، تغطيه بأكوام من العناوين الترابية، فيظهر لارسن بمظهر الوسيط، وهو ليس وسيطا ولا وسطا، وسوف تغرق الصورة الشاملة بالتفاصيل والتوقعات ووقف إطلاق النار والهدنة وشروطها وتطبيق ال.1559 حبذا لو لم يتم استقباله حتى تحترم المؤسسة الدولية موقف لبنان والمقاومة وترسل مبعوثا دوليا لا جابي ضرائب إسرائيلياً. فمن غير الواضح إطلاقا أن من يجب أن يدفع الثمن هو لبنان. لقد أرادت إسرائيل حرب ستة أيام، مجازا وحرفيا، استعارة وعددا، ولكنها لن تكون كذلك. لا علاقة لهذه المعركة بتحرير أسيرين. هؤلاء قضية جانبية بالنسبة لإسرائيل، وربما تقبل بصفقة تبادل حين يحين الوقت. للعدوان الحالي هدف وأجندة سياسية داخلية لبنانية وإقليمية. لا تلعب المقاومة دور الضحية، ولم تطلب تعاطفا دوليا مع الضحية، بل طلبت تضامنا نضاليا من قبل الأحرار. هذه قواعد لعبة أخرى، نسيها العرب، ولا أدري إذا كانت قد سمعت بها أصلا تلك الأنظمة التي لم تنحدر من مثل هذه اللغة. إنها أخيرا لغة حركات التحرر والمقاومة التي تجبي ثمن الاستعمار من المستعمر. والمقاومة تراهن على أن يدفع الخصم ثمنا لا يستطيع ولا يرغب مجتمعه بدفعه، وهي تحاول أن تقيده بحيث يستخدم فقط جزءاً من قوته. هكذا تحاول المقاومة أن تحيّد التفوق العسكري. لم تغامر المقاومة، فلم يكن لها اختيار التوقيت. إسرائيل هي التي اختارت هذا التوقيت من أجل فتح معركة شاملة ضد المقاومة. ومن ضمن عوامل اختيار إسرائيل لهذا التوقيت معرفتها برد فعل بعض العرب. السياق هو إذاً عكس ما يقولون تماما. وموقفهم ذاته الذي يتهم المقاومة بالمغامرة هو من عوامل اختيار التوقيت. الى هنا التحليل العقلي. ومن هذه النقطة يحتم الموقف كلاما آخر، بنبرة أخرى. ولذلك نقول: عمليا، يتهم هؤلاء المقاومة قائلين: <لماذا اخترتم هذا التوقيت، ألم تأخذوا بعين الاعتبار أننا أنذال؟ وإذا كنتم تعرفون أننا أنذال فما هي حجتكم للقيام بعمليات بطولية في هذا الوقت بالذات؟>. لا أستطيع أن أنسى كاركاتيرا إسرائيليا عنصريا حقيرا رأيته على ملصقات على جدران حيفا في طفولتي يصور العربي كمن يطعن سكينا في الظهر... أما الكاركاتير العربي الواقعي الذي رأيته في خريف هذا العمر فيقلد الرسم الإسرائيلي عن العرب الممسك بالخنجر نفسه، مع الفرق أن السكين إسرائيلي والظهر عربي. سجّل!! سجّل أنه بدلا من أن تفك لغة المقاومة لسان بعض الأنظمة أمام إسرائيل وأميركا، وبدلا من أن تتغطى على الأقل بهذه الفرصة التي لاحت كي تحتج على الصلف والاستهتار الإسرائيليين بها، حررت أيديها لتطعن المقاومة في ظهرها. لا يفترض أن ينسى التاريخ هذا الموقف. إذ إن الشعوب لن تنساه. حاول أن تكون أمينا لذاكرة الشعوب، فهذه لن تُسقط من دفتر ملاحظاتها المقارنة بين الشعر المصبوغ والمشاعر المصبوغة وبين المقاومة المستحكمة في وجه البوارج في مدن قطعت بينها الطرق. لن تدعه الذاكرة يمر عن غزة وبيروت وصور وصيدا مرور اللئام قبل أن يقطع لها عهدا، تريد الذاكرة التي ما زالت حية ترزق عهدا منه ألا يمحو من قيده الانتقائي الفرق بين شيب متصابين يصبغون شعورهم وأطفال شابت شعورهم لمرأى أشلاء إخوتهم. سجل!! احفر في صخرك صرح هذه الألوان!! ولا تخدعنا فترسم على رمال الصحاري!! طوبى للفقراء والمساكين لأنهم سوف يرثون السماء. طوبى للمقاومين لأنهم سوف يرثون الأرض. أما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. صدق الله العظيم.