الحرب التي تشنها إسرائيل على لبنان هي حرب تدمير عدوانية، تستحق الإدانة الشديدة والعمل بكافة الوسائل لوقفها الفوري. وليس إطلاق العنان للآلة العسكرية الاسرائيلية كي تعيث دماراً وقتلاً سوى دليل على نية إسرائيل المبيتة لإلحاق أفدح الأضرار بالبشر والبنى التحتية من خلال القصف العشوائي لمنازل اللبنانيين، وتحطيم المطارات والجسور ومحطات الكهرباء، وإغراق لبنان بالظلام، وإبادة عائلات كاملة، وتحويل حياة اللبنانيين إلى ما يشبه الجحيم، وإرجاع البلد عشرات السنوات إلى الوراء. إنها حرب شاملة ضد لبنان، تستند إلى قوة متفوقة ومتغطرسة، قادرة على تقطيع أوصال البلد ومحاصرته براً وبحراً وجواً، ولم تندلع بهذا الشكل إلا بعد موافقة ومباركة عصابة المحافظين الجدد في واشنطن. ويبدو أن حدتها لن تختلف عن حدّة الاجتياح الهمجي للبنان في عام ,1982 فالجيش الذي يقصف مناطق عديدة في بيروت كان احتلها في ,1982 والجيش الذي يهدد بإرجاع لبنان عشرين سنة إلى الوراء كان قد انسحب منه مهزوماً، وخلّف وراءه القتل والمجازر والخراب والدمار. لكن العبرة ليست في القدرة على التدمير والقتل، ولا في الإمعان باستخدام آلة القتل والدمار الإسرائيلية، لأنها غير قادرة على حلّ المشكلة، بل في مفاقمتها وزيادة التهابها، إذ طالما بقي الاحتلال فإن المنطقة لن تنعم بالهدوء والاستقرار والسلام. تستطيع الإدارة الأميركية تبرير هذه الحرب، مثلما تعودت على تبرير كل الحروب التي شنتها الدولة العبرية ضد الفلسطينيين وضد البلدان العربية، لأنها تتخذ من المنطق الإسرائيلي مقياساً، وتستند إلى معياريتها في شن وتبرير الحروب من دون الاكتراث بما ستؤول إليه الأمور أثناء الحرب وبعدها. لكن ما يجري على أرض لبنان هو أكبر من مسألة رد فعل، وأكبر من مسألة الحق في الدفاع عن النفس. إنها حرب قتل وتدمير مرفوضة ومدانة، ولا تقرّ بها كل الشرائع الدولية والإنسانية، ولن تعمل إلا على زيادة تعقيد الأمور وتأزيمها، وبما يشكل مفاقمة ومضاعفة المشكلة. ويبدو أن الإدارة الأميركية لم تتعظ مما حدث في العراق، ومما حدث ولا يزال يحدث في الأراضي الفلسطيننية، وستشهد المرحلة المقبلة مدى بهتان التمادي الإسرائيلي المدعوم أميركياً، ذلك أن الدعم الأميركي الكامل لما تقوم به اسرائيل سيؤتي ثماره العكسية. وتستطيع آلة الحرب الاسرائيلية تدمير منشآت دفع الشعب اللبناني ثمنها من دمه وعرقه، ويمكنها مواصلة هذه الحرب العدوانية لمدة طويلة. لكنها لن تتمكن بالتأكيد من الحصول على أهدافها، ولن تنعم بالهدوء والسكينة، بوصفها دولة محتلة وعدوانية، والتاريخ يقدم لنا عشرات الأمثلة التي ترفض إسرائيل وترفض معها الولايات المتحدة الأميركية قراءتها، والإفادة منها. إنها حرب عدوانية بصرف النظر عن الحسابات الإقليمية، وعن الكلام الذي يقال عن حسابات <حزب الله> في تنفيذ عملية أسر الجنديين الإسرائيليين، وتوقيت العملية وأهدافها، وعن أن <حزب الله> يتصرف وفقاً لأجندة سورية أو إيرانية، لأن الأساس في هذا المجال هو مشكلة الاحتلال الإسرائيلي ومواصلة إسرائيل سياسة الغطرسة ومنطق القوة، مثلما هو الاحتلال كذلك أساس المشكلة في فلسطين وفي العراق. وليس صحيحاً كلام الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش عن امتلاك إسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، فالمحتل هو الطرف البادئ بالعدوان والانتهاك على الدوام. وليس هنالك أحد يصدق هذا الرئيس، وخصوصاً حين طالب إسرائيل ب <ألاّ تضعف حكومة لبنان>، فمن أين أتاه الحرص على الحكومة اللبنانية وآلة الحرب تفتك بجميع مناطق ومرافق لبنان؟ ومن أين أتاه هذا الحرص وهو من عمل على تبرير كل حروب إسرائيل العدوانية؟ ويعلم هذا الرئيس تماماً أن دعمه اللامحدود للغطرسة الإسرائيلية وآلتها التدميرية هو تهديد مباشر للاستقلال الذي كان يتباكى عليه أيام التواجد السوري في لبنان، وكيف يستوي تباكيه وهو يرى حجم التدمير الذي تمارسه آلة التدمير الإسرائيلية الهادفة إلى قتل سيادة واستقلال لبنان؟ إن الحرب العدوانية على لبنان قاسية ومؤلمة، وربما تفوق قدرة لبنان على تحمل تبعاتها، لكن المطلوب هو أن تقف البلدان العربية إلى جانب لبنان وتدعمه بكل السبل الممكنة، مادياً ومعنوياً. والأهم من ذلك هو أن يظهر اللبنانيون وحدة حقيقية في مواجهة هذه الحرب التدميرية، لأن الشقاق والتخندق الطائفي والمذهبي سيضعفان البلد ويكلفانه ثمناً إضافياً. كان المأمول هو أن تكون المصلحة اللبنانية هي المرجع الذي يحتكم إليه اللبنانيون، وخصوصاً في قرارات الحرب والسلم، لا أن ينفرد فيها هذا الفصيل أو ذاك. والمأمول اليوم هو أن تكون هذه المواجهة مع إسرائيل مناسبة لإعادة الاجتماع السياسي اللبناني وفق ما تتطلبه المصلحة الوطنية اللبنانية. وقبل ذلك، من المهم أن لا تحصل إسرائيل على ما تريده سياسياً من هذه الحرب العدوانية، وأن تتولى الدولة اللبنانية مهمة البحث عن مخارج وحلول تجنب البلد المزيد من الدماء والأخطار.