نعيش اليوم لحظات الحرب ونتعرف على صورة الوطن بأقسى أشكاله، وما نعايشه داخل الوطن أو من خلال الحركة السياسية الدولية يضع أمامنا المقاومة خارج الشعارات النمطية، وتظهر المواجهة كواقع مؤجل تم ويتم عليه رسم الجغرافية – السياسية للمنطقة ككل.

وعندما يرصد "الغد" التحولات التي نعيشها اليوم فإنه يؤكد على أن ما يحدث يتجاوز الحدث المرتبط بلبنان، وعمليات القصف الإسرائيلي التي بدأت قبل سنوات في غزة وتنتقل اليوم باتجاه بيروت، تعبر عن واقع من خلط الأوراق الذي عاشته المنطقة منذ انهيار الجبهات الأساسية مع إسرائيل، وخطورة الوضع تدعونا اليوم إلى التعامل مع المعطيات الأساسية التالية:

-  الحرب كما نراها وكما تعبر عنها أشكال العنف أو حتى المواقف الدولية والعربية ترسم ملامح مرحلة جديدة، تعتمد على طريقة تعاملنا معها. لأن الحرب اليوم كسرت الخوف عبر التصرفات التي قادتها مقاومة حزب الله. وكسر الخوف يجب أن ينعكس على الجميع، دون أن يبقى في إطار التخويف الذي ظهر بعد انكسار أشكال التعبير السياسي أو العسكري التي بدأت في الستينات.
-  إن مسار العودة إلى مفهوم الصراع العربي – الإسرائيلي يبدو واضحا بعد أن تراجعت مسألة "الصراع" في السنوات السابقة أو انحسر الهم الإقليمي نحو التعامل مع الهم الديمقراطي. وهذا الأمر يعبر بشكل واضح على أن معركة الديمقراطية التي حملتها الولايات المتحدة انتقلت لمواقع أخرى، بعد أن تحول صراع الديمقراطيات إلى نظريات في طبيعة الطوائف.
-  تمت محاولات لإبراز الحرب الحالية على أنها تحمل مرجعية طائفية، حيث أعطت مراكز الأبحاث الأمريكية آراء سياسية لا يمكن فصلها عن المواقف السياسية التي برزت منذ أكثر من عام سواء بمسألة الهلال الشيعي أو بغيرها من عمليات الفرز التي يتم قياسها على سياق التعامل مع الوضع في العراق. فالحرب القائمة اليوم يُراد لها أيضا أغراضا مرتبطة بشكل الترتيب العراقي، حتى ولو كانت أسبابها ترجع لمراحل ظهور إسرائيل.
-  الحرب المفتوحة كما نفهمها أوسع من مسألة العمل العسكري، لأن كسر الإرادة إذا تم اليوم فلن يقوم على فعل تجميع جديد للمجتمع والدولة، فهو كسر إرادة للعودة لما قبل الدولة، وإلى المفهوم الذي يريده البعض أن ينتصر لأنه "أكثر ديمقراطية في التعبير"!!!

-  إن "معركة" الديمقراطية خسرت لأن الولايات المتحدة حاولت توظيفها لاختراق المفاهيم التي جمعت في القرن الماضي المجتمع، والمعركة مع إسرائيل كانت تخسر لأنها أيضا سارت وكأنها "الكل" والجامع والقادر على تأجيل كافة المسائل الداخلية.

-  نحن أمام مسألتين متلازمتين حيث لا يمكننا الهروب من "المفاهيم" التي استهلكت كشعارات للمعركة على إسرائيل، ولا يمكننا أيضا التخلي عن "صراع الحداثة" داخل المجتمع بكل ما يحمله من مسائل الديمقراطية والمواطنة والإصلاح وغيرها....

إن "الغد" يرى أنه من الضروري صياغة العمل العام وسط هذه الحرب، لأن نتائجها ستشمل كامل المجتمع، وهي ليست شأنا مرتبطا بما يقوم به حزب الله، أو ما يتعرض له لبنان. فـ"الغد" يرى ضرورة عدم ترك المعركة مكشوفة على مساحة المجتمع. وهو يدعو إلى:

-  أولا: ضرورة رؤية هذه الحرب على قاعدة ما سيحدث كنتائج استراتيجية، لأن الحديث عن كسر المعادلة القائمة حاليا بين حزب الله وإسرائيل سيتفوق على الأهداف السياسية المعلنة، سواء تعلق الأمر بتطبيق القرار 1559 أو نشر الجيش في لبنان. فالحرب منذ البداية كرست افتراقا بين النظام السياسي العربي والفعل الاجتماعي، ويتم استخدامها أيضا لتطوير مفاهيم للدولة رأيناها منذ بداية الحرب على الإرهاب في نموذج أفغانستان والعراق. فالمطلب الديمقراطي لكل المجتمعات يتحول إلى شكل واحد ونموذج يعمم بدلا من أن يترك لنا التعامل معه بشكل يعبر عن الحداثة التي نريدها.

-  ثانيا: تدعو الغد كل المهتمين بالشأن العام إلى ضرورة رسم أجندة حقيقية وقابلة للتحقيق وخلق درجة من التنسيق فيما بينها ، لإيجاد خطاب إعلامي وثقافي يرسم الأفق لما بعد المرحلة الحالية، ويقدم نموذجا لعمل اجتماعي بامتياز.

-  ثالثا: يرى الغد أن الهيئات الاجتماعية الموجودة حاليا مطالبة على الأقل بخلق تواصل فيما بينها، سواء كانت هذه الهيئات إعلامية أو ثقافية أو اجتماعية. وهذا التواصل يجب أن لا ينقطع مع مؤسسات الدولة أيضا. لأن هذا الجانب يتطلب المعرفة الكاملة لساحات العمل الاجتماعي المطلوب.

-  رابعا :يدعو الغد كافة القوى السياسية إلى فتح القنوات فيما بينها وتأسيس غرفة عمليات للتعامل مع الحدث الحالي بكافة أبعاده.

إن الغد في المرحلة الحالية يعتبر أن النتائج التي سنتعامل معها هي بالفعل متعلقة بملامح المستقبل، وبالقدرة على التأسيس الجديد لمواجهة بقيت مؤجلة.

دمشق 16/7/2006 المكتب السياسي