معاريف

جاكي حوجي

صور صعبة المشاهد تصل من لبنان. جثث وجرحى، جسور محطمة وسياح ليس لهم معرفة الى اين يهربون. ولكن من طباع العسكريين أنهم لا يشاهدون الامر من على شاشة الجزيرة. فهم يرونها عبر فوهات المدافع. وفي هذا المجال، فانهم في سلاح الجو وفي هيئة الاركان يشعرون بالرضى حتما. عمل مهنيين. وبعد ظهر أمس كان ممكنا الحديث عن ان الاغلاق الذي فرض على لبنان قد اكتمل. من البحر، الجو والبر. مخازن الوقود قرب بيروت تشتعل. الحفر في المطار الذي يتخذ من رفيق الحريري اسما له. معابر الحدود نحو سوريا، الى جانب الطرق المؤدية اليها، تحطمت. الموانئ البحرية تلقت ضربات شديدة، وبضعة مخازن صواريخ لحزب الله تبددت في الهواء. لبنان حوصر وقطعت اوصاله. ولكن بالذات في هذه اللحظة، يجدر ذكر مع من نتعامل، مع بلاد تأكل محتليها. دولة كلها وحل مغرِق، ينتظر من يغرق فيه. هكذا كان الحال في 1982، وهكذا حصل في حملة تصفية الحساب 1993 وعناقيد الغضب 1996. لقد وسع الجيش الاسرائيلي قدراته العسكرية، ولكنه هُزم سياسيا. النجاح يغري بمواصلة الضرب. ولكن هنا الفخ. بينما يهاجم سلاح الجو فقد يسقط صاروخ كاتيوشا على بلدة في الجليل فيقتل خمسة افراد عائلة. ويتعين على الجيش الاسرائيلي أن يرد بشدة، فيدمر محطات توليد الطاقة في بيروت. وحزب الله سيشعر بالاهانة فيرد مهاجماً الخضيرة. فلا تتمكن حكومة اسرائيل من الصمت، وها هي امامكم دائرة مفرغة. في هذا الفيلم سبق لنا أن كنا. صحيح أن ظروف 1996 ليست ظروف 2006. فسوريا لم تعد منذ زمن بعيد قوة تسيطر في لبنان. الوسائل القتالية لدى الجيش الاسرائيلي تطورت جدا. وحزب الله الآن ليس كما كان من قبل، فهو يعمل حساباً للجمهور وللسياسة اللبنانية. ولكن من جهة اخرى فان حزب الله يوجد اليوم في احدى النقاط المذلة في تاريخه. ويدور الحديث عن كيان طموح، يبحث بيأس عن ترميم كرامته المداسة. كما أنه يعرف كيف يجدها. لاول مرة منذ الانسحاب من لبنان أظهر الجيش الاسرائيلي أنه ايضا لديه خطوط حمراء. طائراته ضربت مخازن الذخيرة، أبعدت حزب الله عن الحدود وأحرجته في نظر جمهوره. وهذه انجازات استراتيجية. ولكن النجاح مزيف. فمن شأنه ان ينقلب على اصحابه في كل لحظة. محظور انتظار الضربة التي ستأتي. الان هو الوقت للتوقف من اجل الانتعاش. تنفيذ اعادة تقدير للوضع، وربما حتى وقف الحملة. رئيس وزراء لبنان، بتصريحه الانفعالي أمس، منح اسرائيل الحبل، الذي بواسطته يمكن النزول عن الشجرة.