دخل العرب في مسار التسوية عبر مؤتمر جنيف الذي عقد بعد شهرين من حرب 1973، وفي حزيران 1974 أعطى المجلس الوطني الفلسطيني، عبر برنامج النقاط العشر، أول ملمح لقبول منظمة التحرير بدولة لا تشمل فلسطين التاريخية كلها. لم يكن ذلك فقط تجاوزاً، عند النظام الرسمي العربي وعند الكثير من النخب السياسية والثقافية، للحالة التي ظهرت ضد الرئيس بورقيبة في عام 1965لما اقترح القبول بدولة اسرائيل وفق قرار التقسيم، وإنما أيضاً للذهنية السياسية التي كانت عند الرئيس عبد الناصر لما قبل بـ(القرار 242) والتي لم تكن تتجاوز الاعتراف بدولة اسرائيل وفق حدود 4 حزيران 67 كواقع قائم من دون الدخول في حالة "سلام" أو "تطبيع" معها. كان هذا التجاوز واضحاً وجلياً عند الرئيس السادات لما ذهب إلى القدس، إلا أن مسار التفاوض المصري ـ الاسرائيلي قد أوضح بأن تل أبيب لا تريد سلاماً أبعد من مصر، وأنها غير مهتمة أو معنية بتسوية تختص بالشق المتعلق بالضفة والقطاع الذي تضمنته اتفاقات كامب دافيد، إذا لم يكن الأمر متحدداً في إطار نظرة اسرائيلية ترى بأن عزل "رأس" العرب، عبر التسوية معه، يمكن أن تتيح لتل أبيب مجالاً للإستفراد بباقي أراضي 67 إذا لم يكن بآسيا العربية كلها وباقي الجسم العربي. في هذا الإطار، لم يكن صدفة تكثيف الاستيطان عقب كامب دافيد بشكل تجاوز بين عامي 1978 ـ 1980 كل ماجرى من استيطان خلال العقد الذي تلى حرب 1967، فيما يلاحظ أنه لم يكن هناك سوى أربعة أشهر فاصلة بين زيارة السادات والاجتياح الاسرائيلي الأول لجنوب لبنان في آذار 1978، كما أنه لم يكن هناك سوى أربعون يوماً فقط بين اكتمال الانسحاب من سيناء واجتياح صيف 1982، بينما ضمَ الكنيست الاسرائيلي الجولان في الشهر الأخير من عام 1981: هنا، لم يكن (مؤتمر مدريد) انحرافاً عن هذا المسار للذهن السياسي الاسرائيلي بقدر ما كان تعبيراً عن تكيف اسرائيلي "ما" مع ما أراده القطب الواحد للعالم من تسوية للصراع العربي الاسرائيلي كتمهيد لما أرادته واشنطن من شرق أوسط جديد بعد حرب 1991، وسرعان ما وجد الاسرائيليون الفرصة (لما تسابق الفلسطينيون وبعض العرب إلى اتفاقات منفردة) من خلال (اتفاقية أوسلو)، التي كانت عملياً الطلقة القاتلة في مسار (مدريد). كان من الواضح أن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، خلال عقد كامل فصل بين عودة الرئيس عرفات إلى غزة وفقاً لـ(أوسلو) ووفاته، لا تريد تسوية ولا سلاماً مع الفلسطينيين، وإنما اتجهت، حتى مع وجود سلطة فلسطينية، إلى قضم متعاظم للقدس كلها وللقسم الأعظم من الضفة (مع ترك القطاع للفلسطينيين)، وبشكل نجحت فيه، وخاصة مع وجود إدارة بوش الإبن التي تخلت عن سياسة التسوية لصالح "إعادة صياغة المنطقة" بعد (11 أيلول) و(بغداد)، في فرض أمر واقع جديد على الأرض، تريد ترجمته الآن عبر حلول من جانب واحد، بمعزل عن أي شريك فلسطيني، وهو ما توضحت ملامحه عبر (الجدار العازل) و(الانسحاب الأحادي من غزة) و(خطة الانطواء) التي يراد منها رسم حدود دولة اسرائيل مع ماتتركه من الضفة للفلسطينيين في السنوات الأربع القادمة. هنا، لم يدخل العرب للآن في نقاش حقيقي، بعد ثلث قرن من مسار عملية التسوية، حول نوايا تل أبيب وأهدافها، بل كان هناك مسلمة راسخة، عند معارضي التسوية ومؤيديها من بين العرب، بأن اسرائيل تريد التسوية والسلام والتطبيع مع الفلسطينيين وباقي العرب، وما زال هذا راسخاً ولم يهتز كمسلمة، حتى بعد أن انتخبت غالبية المجتمع الاسرائيلي، في انتخابات 2001 و2003 و2006، شارون وخليفته أولمرت الحاملين لاتجاهات واضحة رافضة للتسوية والنابذين للخطاب اللفظي عن التسوية، الذي كان موجوداً عند رابين وباراك، وبالمناسبة فقد كان صعود الإثنين إلى رئاسة الوزراء عبر سلم الاستيطان (وليس وزارة الدفاع) عند الأول منذ تسلمه وزارة الزراعة في حكومة بيغن الأولى، وعند الثاني من خلال كونه المهوِد الأكبر للقدس منذ تسلمه رئاسة بلديتها في أوائل التسعينات. إذا أردنا الإجمال، فيمكن القول بأن العقل السياسي الذي أفرزته الحركة الصهيونية، خلال مرحلتي ما قبل قيام اسرائيل وما بعدها، قد كان من أكبر العقول التطبيقية لمقولة أن السياسة هي انعكاس عملي للوقائع والتوازنات على الأرض، وأن (الحقائق السياسية) تتشكل عبرهما:على ضوء ذلك، لماذا لايقوم العرب بإخضاع مفهوم (التسوية) للفحص والمراجعة على ضوء العقل الاسرائيلي، الذي يبدو أنه، وبوصفه الطرف الآخر، هو المحدِد الرئيس لقواعد اللعبة، وليس ما يفكر به العرب أوما يريدونه؟...