"من سخرية الأقدار أنه عليهم جعل سورية توقف حزب الله عن القيام بمثل هذا الهراء فينتهي الأمر." الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش متحدثًا إلى توني بلير. ومن سخرية الأقدار أن يُنكب العالم برئيس دولة عظمى يتكلم بمثل هذا الهراء. السخرية الأكبر أن يكون في سطحيته نصيرًا لإسرائيل في عدوانها، وعدوًا لنا في حقنا. فلنقارب الموضوع بجدية أكثر ونحن نمر بين أشلاء الشهداء والجرحى في الوطن مقطَّع الأوصال من لبنان إلى فلسطين والعراق. أولاً: إن تدمير إسرائيل للبنان هو قرار متخذ كان ينتظر ذريعة. ولو لم تُقدَّم لها الذريعة بالأمس لكانت استنبطتها كما استنبطت غيرها من قبل. سؤال جوهري كان يطرح نفسه في لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية وقبل التحرير وبعده: "أيهما قبل، العمران والسياحة والاصطياف أم التحرير والسلام؟" لقد أثبت العدوان الأخير أنه إذا كان لبنان لا يستطيع العيش بلا عمران، فإنه أيضًا لا يستطيع الحياة بلا سلام يضمن العمران. والسلام لا يكون بالتنازل للشروط الإسرائيلية عبر ما يسمى المجتمع الدولي، بل بتسليم المجتمع الدولي لنا بحقنا في الحياة. ثانيًا: لا يمكن أن ينعم لبنان بالسلام قبل أن تحل مسألة فلسطين بشكل يحترم حق الفلسطينيين أيضًا في الحياة. وهناك تضارب جوهري في كيفية نظر المؤسسة الإسرائيلية إلى شكل العيش الذي تريده للفلسطينيين وشكل الحياة الذي يريده الفلسطينيون لأنفسهم. ثالثًا: إن تعاطي بعض الدول العربية مع مسألة فلسطين هو مثل تعاطي طبيب العيون الدجال مع مرضاه. علَّم ذلك الطبيب ابنه المصلحة ذاتها. وبعد التخرُّج، حدث أن غاب الأب، فجلس الابن مكانه في العيادة. وصل مريض عينه ملتهبة ومغطاة بالشاش الطبي وقال للطبيب الشاب إن عينه ملتهبة منذ سنوات، وأنه جاء في موعده الشهري ليأخذ الدواء الذي يخفف الألم. فحصه الطبيب الشاب، فوجد قذى نثرة خشبية تحت الجفن قد تسببت بالالتهاب. نزع الطبيب النثرة وطهر الجرح، ولم يأخذ أجرًا من المريض. عاد الأب، فأخبره الابن بما فعل. فما كان من الأب سوى انتهار ابنه لأنه جاهل بأصول المصلحة وكيفية ابتزاز المريض لأطول أمد ممكن. منذ عقود والدول العربية تقول لشعوبها إن إسرائيل "التهاب" عصي على الاستئصال وكل ما يمكن هو تخفيف ألمها. هذه الخدعة انكشفت عام 2000 مع تحرير الجنوب اللبناني، ويزداد انكشاف الطبيب الدجال مع كل صاروخ يسقط عليها. رابعًا: في التفصيل، معظم الدول العربية استعملت فلسطين مطيَّة لمصالحها منذ 1948 وما قبل. كانت مسألة فلسطين ورقة مساومة تضغط بها الدول العربية – دائمًا – على الفلسطينيين لكي يكونوا "واقعيين" ويقبلوا بالأمر المفعول من قرار التقسيم إلى أوسلو وملحقاته. وكانت هذه الدول تمارس وصايتها مرة باسم لجنة القدس، ومرة باسم التمويل، ومرة باسم السلام، ودائمًا خدمة لإسرائيل وأمريكا. لقد نظرت فلسطين إلى النموذج اللبناني، وتعلمت منه، وهي تعرف أنها تدفع الثمن قتلاً ودمارًا سواء استسلمت أم قاتلت، فاختارت القتال. خامسًا: يقول بعضهم إن حزب الله قد وقع في فخٍّ، وقدم لإسرائيل الذريعة عبر "مغامرته" غير محسوبة النتائج إلخ. في الواقع أنَّ من وقع في فخ حزب الله هي الدول العربية التي ما فتئت تقول بالعجز والاستسلام. إن العالم العربي اليوم يشهد المقاومة في لبنان وفلسطين تزيل القذى من عين العالم العربي كله ولا تطلب شيئًا في المقابل. إن المواطن العربي يقف مشدوهًا ليس أمام مشاهد الدمار الإسرائيلي للبنان، فهذه قد اعتاد عليها، ولكن أمام مشهد حيفا وعكا وطبرية وصفد تقصف من لبنان، والإسرائيلي يهرع إلى الملاجئ فيها. هذا المواطن العربي نفسه يسأل اليوم ما جدوى طائرات الدول العربية ولماذا تم شراؤها ولأية "حشرة" إن لم يكن لحشرة كهذه! ولماذا لا ترسل الدول العربية بعض الطائرات التي تملكها لقصف الجسور والمدن الإسرائيلية؟ وماذا إذا أسقطت إسرائيل بعضها؟ وماذا إذا غضبت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا؟ إنهم يرون هدوء أمين عام حزب الله وبسالة مقاتلي المقاومة، وصمود لبنان، ويسألون وعن حق: "إذا استطاع لبنان، أصغر الدول العربية فعل كل هذا بإسرائيل، فماذا عن المجموع العربي؟ هذه الأسئلة ستلحق الدول العربية إلى عقر قصور حكامها. سادسًا: لسان حال اللبنانيين إذ يسمعون توني بلير يقول نيابة عن أمريكا وبريطانيا وإلى حد ما فرنسا، بإرسال قوة دولية "لمنع الصواريخ من الهبوط على إسرائيل يقول: "أهلاً وسهلاً. فمن شاء تكرار تجربة القوات متعددة الجنسيات في لبنان موديل 1982-1983 فليتفضل." لقد جرب الغرب كل شئ معنا سوى العدالة. وطالما أنه يؤيد إسرائيل في إبادتنا، فلا مكان له في نظر الإنسان العربي سوى الكراهية. سابعًا: ترتكب إسرائيل خطأ تاريخيًا سينعكس عليها وعلى أبنائها. إنها ما فتئت تهرب من السلم العربي الذي يطاردها منذ سنة 1973 حتى اليوم. الدول العربية حتى تلك التي تقدمت بمبادرة بيروت 2002 لا بد وأن تعيد النظر في إستراتيجيتها. ولكن مشكلة إسرائيل لن تكون مع الحكومات العربية بل مع الشعوب العربية. إن ما يحصل في لبنان اليوم سيحفر أخدودًا في نفوس جيل بأكمله.إنه يؤكد الشك الكبير في رغبة إسرائيل في السلام. ثامنًا: إن جيل الشباب العربي المعاصر، في معظمه، هو جيل محبط بسبب الهزائم والقمع. نصفه مسمّر على شاشات الأغاني والفيديوكليب، يسيل لعابه حيال تأوهات "هيفا" وتثنياتها، ونصفه الآخر أمام محطات التلفزيون الدينية ينسى وجع يومه بالدعاء لآخرته. إن دمار لبنان من جهة، وصمود فلسطين من جهة أخرى، وبطولة الاثنين معًا، سيوقظان قسمًا كبيرًا من هذا الشباب ويلزمانه بتحمل مسؤولياته عوضًا عن محاولة نسيانها. تاسعًا: إن العدوان الإسرائيلي على لبنان، إذا مر من دون عقوبة دولية رادعة على إسرائيل، سيكون ضوءًا أخضر لها بعمل الشئ ذاته مع أية دولة عربية تعارضها في أي مشروع. إن قول آفيغدور ليبرمان، نقلاً عن "إيلاف"، "إننا نمتلك الوسائل والفرصة للضغط على سورية. مثل ضرب المطارات وطريق بيروت- دمشق والكثير من الأشياء التي أوصيتُ بها رئيس الوزراء،" يمكن أن يقال في أي وقت وضد أي بلد عربي. إن كل ما تحتاجه إسرائيل، إذا لم تُردع في لبنان، هو عزل أية دولة عربية بتهمة ما، الأرهاب أولها، ولون عيون أبناء شعبها آخرها، لكي يصار إلى تقطيع أوصالها وضرب جسورها ومدنها وقتل مدنييها. إن لبنان هو البداية، ولكن يجب أن يكون خاتمة العذاب العربي. ولن يصبح لبنان خاتمة العذاب العربي ما لم يتعلم العرب قول "لا" مرة واحدة للإملآت الأميركية. مرة واحدة فقط يتغير معها وجه التاريخ.