محمد ح. الحاج

يجري الحديث، وبصوت منخفض - حتى الآن - عن محاولة سورية – إيرانية للإخلال بالتوازن العسكري في المنطقة عن طريق تسليح حزب الله – الحديث أمريكي – " على جانب آخر يقول بوش أن سوريا بيدها وحدها مفتاح الحل " ، .. وعلى الجانب الصهيوني تتحدث المستوطنة التي تمثل ما يسمى : وزارة الشؤون الخارجية - عن حاجة ملحة لمنع إيران وسوريا من إعادة تسليح حزب الله ..! كما يتحدث رئيس وزراء العدو عن شروطه في تطبيق القرار 1559 – وإطلاق سراح الجنديين الأسيرين ، وإبعاد حزب الله عن الحدود الشمالية ... بعيداً ، بانتشار الجيش اللبناني ..! قبل أن يتوقف إطلاق النار ..!! ( يتمنى الكثير من أبناء هذه الأمة كما الكاتب، أن يكون الجنديين الصهيونيين الأسيرين قتلا بأحد الصواريخ أو القنابل المتساقطة على كل مكان من الأرض اللبنانية ، ليس لأننا ضد الإنسانية، ولكن ليكتشف أهل هذين الجنديين كم هي قيمتهما الفعلية بنظر حكومة الكيان العنصرية ..!) .

- كيف يكون التوازن العسكري في المنطقة من وجهة نظر كل الأطراف ..؟ وهل هناك اتفاق ضمني على هذا التوازن ..؟ واستطراداً هل يمكن القول أنه توازن ، أم انعدام للتوازن في الميزان العسكري بالمعنى الحقيقي له ..؟.

- التوازن بالمفهوم الأمريكي يتضمن قاعدتين أساسيتين – الأولى : أن يمتلك الجيش الصهيوني من الأعتدة والقدرات ما يمكنه من مقابلة مجموع الأسلحة والعتاد المملوك من قبل كل الجيوش العربية في آن معاً ، مع عدم الأخذ بعين الاعتبار استحالة وقوف هذه الجيوش واعتدتها معاً في مواجهة الجيش الصهيوني ، والقاعدة الثانية : هي منع وصول أي نوع من السلاح الهجومي القادر على ضرب العمق الاستراتيجي لهذا الجيش إلى متناول الجيوش المواجهة ، وأيضاً عدم توفر وسائل فاعلة للدفاع بوجه سلاحه الجوي والبحري ، عدا عن امتلاكه لنوعيات من الذخائر ذات الفاعلية والتدمير العاليين، ومنها المحرم دولياً .

( بالمختصر المفيد نسف أسس التوازن بأية صورة من الصور، وباتفاق كل أطراف العدوان ) .

- التوازن بالمعنى الحقيقي الذي قال به المرحوم الرئيس حافظ الأسد ، " التوازن الاستراتيجي" .. هو الوصول إلى تحقيق شبه توازن يكفل عملية ردع العدو عن عدوانه ووقف اجتياحاته المتكررة لكثير من المناطق العربية، وبالتالي ليس لغاية تدميره وإفنائه، وإنما وهذا احتمال ... دفعه للبحث عن حلول منطقية وعادلة للتسوية بعيداً عن الفرض والإملاء، وتحقيق غاياته ومصالحه بالقوة ،... والقوة المتغطرسة بشكل خاص ، وكان السبيل لتحقيق مثل هذا التوازن ، إقامة صناعات عسكرية عربية متكاملة والاستفادة من كل الخبرات، وتسخير كل الطاقات وصولاً إلى امتلاك أسرار الذرة ولو بعيداً عن تصنيع القنابل النووية المدمرة للحياة الإنسانية، والتي - من باب أولى ، منطقياً – لا يمكن استخدامها ضد هذا العدو بسبب التداخل الجغرافي والديمغرافي ، وهذا له مبحث آخر – والنتيجة أن كل الأهداف التي عمل لها المرحوم الرئيس الأسد ، لاقت معارضة خارجية وصلت حدود العنف ، والحصار ، وإخضاع كل الصادرات من دول العالم إلى سوريا لرقابة مشددة خشية تسرب مواد تدخل في الصناعة العسكرية، كما لاقت توجهاته على الصعيد العربي إعراضاً عربيا أو تطويقاً لبعض محاولات التصنيع المشترك بين هذه الدول المعنية ، ولست في وارد الحديث بالتفصيل عن ذلك .

- دول الجوار المعنية بالصراع مع العدو الصهيوني – وهي في حقيقة الأمر ، دولة واحدة، الدولة السورية بكياناتها المتعددة ، خسرت على صعيد التحالف العربي بخروج مصر ، وداخلياً بخروج الكيان الأردني - وهو جبهة مفتوحة الحدود يعجز الكيان الصهيوني عن إغلاقها بوجه المقاومة ، وافتقدت هذه الدولة عمقها الاستراتيجي بعد احتلال العراق أمريكيا – صهيونيا ، وهي بالأصل تفتقر إلى سلاح يمنع الذراع الصهيونية الطويلة من خرق حرمة أجوائها، أو تسديد ضربة خاطفة إلى مكان ما على أراضيها، إذ يترتب على رد الفعل نشوب معركة هي خاسرة بالتقدير العسكري المطلق، لا تقبل دولة عاقلة أن تنجر إليها ، وعلى صعيد دول العالم الصناعية فقد عملت متضامنة على حرماننا من تحقيق ليس التوازن فحسب، وإنما المقدرة على صد العدوان في أبسط حالاته - فرضت الولايات المتحدة على شركة كاتربيلر مقاطعة سوريا، وحرمانها من الجرافات الثقيلة الصالحة لأعمال التحصين، ومنع تزويد الموجود منها قبلاً بالقطع التبديلية الضرورية - إضافة لاستخدام نفوذها الهائل لمنع باقي الدول من التعاون، حتى المعدودة منها دولاً صديقة كالاتحاد الروسي ..، وهكذا يتضح للجميع انعدام التوازن بالأساس، ونخلص إلى أن الهدف الأمريكي – الصهيوني هو استمرار هذا الخلل تحت يافطة كاذبة ، أي : الحفاظ على استمرار مقدرة العدو على الضرب دون تلقي الرد . وهو يمثل التوازن من وجهة نظرهم .

الصواريخ أدوات يمكن الوصول إلى صناعتها في أبسط الأشكال انطلاقاً من الألعاب النارية ... أجسام اسطوانية متطاولة ، تحمل حشوة دافعة ، وحشوة أخرى متفجرة تطلق أشكالاً ملونة تزين السماء ... بعملية تطوير الأحجام ، وحساب كميات الحشوات الدافعة لكل مسافة، وتطوير نوع وقود الحشوات ، ... وتطوير حشوات الرؤوس من أدوات منتجة لمناظر خلابة ملونة ، إلى رؤوس للتدمير والقتل، وترافق ذلك بتطور العلم واستخدام أجهزة التصويب والتحكم ، والرؤية عبر آلات المسح والتصوير الدقيقة ، وتسخير طاقة الليزر، والحواسيب الذاتية وكل ما يتوفر من تقنيات العصر ، أصبح بإمكان الكثير من الدول النأي بنفسها أن تكشف قواها – الدفاعية أو الهجومية - وخاصة عن طريق التسلح من مصادر العدو، وكسر احتكار التسلح، بتحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي يضمن الردع ، ويمكن أن يحقق التوازن فيما لو تطورت تقنياتها الصاروخية والتحكم بهذه التقنية بحيث تتمكن من كسر الذراع الطويلة للعدو، أي : ضرب الطيران المغير وتدميره ، وهذا ما حاولت أن تنتهجه دول كثيرة، والكثير منها نجح في ذلك ومنها الهند، وباكستان، وكوريا، وإيران، وسوريا ، مع تفاوت نسبة النجاح في كل منها .

ما علاقة هذا بالمؤامرة ..؟ الحقيقة أن هذا الوضع يشكل القاعدة الصالحة للانطلاق منها في عملية التآمر على الحركة الوطنية في المنطقة، وتدمير ثقافة المقاومة بضرب قواعد الإيمان بهذه الثقافة ، الروح المعنوية أساس مهم في استمرار ثقافة المقاومة، بل والفعل المقاوم بحد ذاته حيث تلمس الشعوب المعرضة للاعتداء نتائج فعل المقاومة كما حصل على أرض الواقع في فيتنام وكمبوديا وكوريا، وكما يحصل اليوم على أرض فلسطين في الجنوب وفي الشمال برغم الامكانات البسيطة وغير المتكافئة، وهنا يبدأ الحراك بشقيه : - العسكري الذي تتكفل به الآلة الصهيونية وهذه وظيفتها، والسياسي متمثلاً بأدوات قوامها المبعوثين والسفراء ولجان الوساطة بحيث تعمل جميعها في خدمة برنامج متكامل يضمن نتيجة واحدة ولو اختلفت الأساليب ، هذا العمل لا يتحقق له النجاح التام إلا إذا اقترن بمواقف داعمة من قبل البعض في المنطقة ، وهذا ما قدمته كما قال معلق سياسي – دول عربية ذات وزن – وعلى طبق من ذهب لدولة العدو وللمنطق الغربي الذي يجهد لإفراغ عملية صمود المقاومة ومنجزاتها من كل المضامين حيث تم السماح لآلة العدو بتدمير كل شيء واعتبار ذلك ثمناً لمواقف التأييد التي تلقاها المقاومة من الشعب اللبناني، والسوري عموماً ، والإيراني الصديق ، وهنا يتبادر سؤال بسيط إلى الذاكرة ، - حينما كان النظام الإيراني البائد بقيادة الشاه، موظفاً كشرطي حراسة في المنطقة، ويخدم المصالح الأمريكية ، لم يقل أي من قادة العالم ( الحر ) أن إيران تتدخل في الشئون الداخلية العربية برغم الرفض المطلق والملموس لعموم الشعب العربي المجاور، ولم تجرؤ الأنظمة العربية في حينه على إدانة هذا التدخل أو أن تعزوه إلى أطماع إيران المبنية على أن تسود قاعدة مذهبية ... أي كان التدخل مسكوتاً عنه ، البعض رضا وصداقة ، والبعض الآخر تحت وطأة الحذاء العسكري الأمريكي ، وأحذية السافاك ... اليوم ، بعد انتقال النظام الإيراني الجديد بتأييده المطلق من جانب الصهاينة ومن يدعمهم إلى جانب القضية الفلسطينية وقضية التحرر من زمن الهيمنة والسيطرة الأمريكية ومشروعها المفضوح ، يعترض عليه ويدينه البعض ، .. فإذا كان من حق أمريكا أن تدين هذا التأييد ، وتعتبره تدخلاً على اعتباره من الأعمال العدائية للمصالح الأمريكية – الصهيونية ، فإنه من العار أن تلجأ دول عربية بأشخاص قيادات كبيرة فيها إلى استنكار وإدانة هذا التأييد ومسخ أهدافه على سموها ، إلى موقف مبني على قاعدة أن يسود مذهب على آخر وهذا ما تقول به الصهيونية والإدارة الأمريكية وتسخرانه في خدمة مآربهما، بل وتطبقانه في العراق بمباركة العملاء هناك . - وانطلاقاً من علمانيتي ورفضي المطلق لتقييم مواقف العالم على هذا الأساس ، فأنا أستنكر وأدين استخدام قادة عرب أمثال مبارك وعبد الله الثاني ، أو فيصل السعودية لهذا المصطلح وأعتبر ذلك كما تعتبره المقاومة بشقيها الفلسطيني الذي يمثل مذهب هؤلاء، واللبناني الذي يعتبرونه مذهباً إيرانيا ، واحدة من أقذر الأساليب التي تم توظيفهم لخدمتها على طريق إنهاء صوت المقاومة ودفن ثقافتها إلى الأبد، وفي غمرة ذلك فاتهم صياغة رد على سؤال الشعوب لهم ، ومتى يكون التحرر ونيل الحقوق إذا سقطت المقاومة، وهل ننتظر مرحلة جديدة من التمدد الصهيوني على أراضينا وبمباركة منكم، أو من ورثتكم في المفاهيم الاستسلامية البالية ..؟.

القادمون إلى لبنان ، رسل الوساطات هؤلاء ، لا يحملون إلا رسائل التهديد مرتكزين إلى مواقف بعض الدول العربية التي تحدثنا عنها، وقد يقولون : إذا كانت الدول الشقيقة لكم " عاقلة " وتدرك أن أعمال المقاومة دون جدوى، وأنها مغامرة بعيدة عن التعقل ونتائجها خطيرة ...!!! - فما الذي يمكننا فعله لكم إذا لم ترضخوا لمطالب أولمرت وتطلقوا سراح الجنديين، وتنشروا جيشكم على الحدود لضمان أمن المستوطنين، على أن جيشكم هذا ممنوع من التسلح، لا صواريخ مضادة للطائرات، ولا للدروع، وعندما يأتيكم أمر من الجيش إياه ، عليكم المبادرة إلى إخلاء منطقة العمليات التي يرغب بها لملاحقة " الإرهاب " وسماؤكم مفتوحة لتدريب الطيارين ومراقبة التحركات على الأرض ، ومياهكم ليست لكم إلا بالقدر المسموح ، وبحركم ملعب البوارج والزوارق التي لا تملكون منها وعليه فإنكم لا تحتاجون لهذا البحر ، كما للجو، فليس لديكم طيارين للتدرب ، من هنا تتضح خيوط المؤامرة أكثر فأكثر ،... كلهم يتسلح بالقرار 1559 وكلهم حريص على إرادة المجتمع الدولي الجديد " المختزل أمريكيا – فرنسيا " ، وفي مجال آخر المجتمع الدولي الحقيقي ساقط ومغيب ، وقراراته مجرد تهريف لا يلقى أكثر من السخرية على طريقة الشريف بولتون، حامل وسام 14 شباط الممتاز ..!! ، نظرية المؤامرة التي يسخرون من تمسكنا بها، وهم يريدون فعلاً أن لا يتذكر أحد أساليب المؤامرة أو أن يفضحها ، المؤامرة التي يتوزع بنودها السفراء : الأمريكي ، والفرنسي، وممثل بعثة الأمم المتحدة، بيدرسون ومندوب الأمين العام .. لارسن ، وهو سمسار اتفاقات أوسلو المدفونة في مقابر صهيون منذ أمد بعيد ويتمسك البعض بأذيالها المهترئة على أنها خشبة الخلاص ، ولا خشــبة خلاص ، إن نجحت ..! فهي طريق النهاية لنا والانتصار النهائي لهم .، المؤامرة كبيرة وشاملة .

نعم ... حاجة الصهاينة ملحة ، بل وملحة جداً ، ليس لتجريد حزب الله وحده من السلاح، ومنع إيران وسوريا من إعادة تسليحه ، بل لتجريد إيران وسوريا، وكل كيان في العالم العربي والإسلامي يرفع لواء معارضة الاحتلال ويطالب بحقوقه أو حقوق الإخوة في فلسطين المشردين عبر بوابات العالم، والأمنية الأكثر شيطانية هي أن يمتلك هذا الشذوذ الغريب على جسم المنطقة كل أنواع الأسلحة القادرة على الفتك والإبادة ، كامتلاك الشياطين للنار، على أن لا يمتلك من يحيط بهم ما يرد عنه هجوم وحش مثل ... ذئب أو كلب بري مسعور ... !! ويبقى أن لزعيم العصابة الصهيونية حرية اشتراط ما يريد من تنفيذ للقرار الدولي الوحيد الذي يناسبه ( 1559 ) - أو تجريد المقاومة من السلاح أو إبعادها وانتشار الجيش اللبناني ، وأمنيته كسابقيه بأن يبتلع البحر ...غزة !! - وتبقى الكلمة الفصل للمقاومة التي نأمل أن يتضامن معها الأحرار من أبناء الأمة لتتجاوز مخاطر التآمر الخارجي والداخلي عليها، وقد كفاها ما قامت به أصابع يهود الداخل من دلالة على أبنيتها، ومواقعها ، وأسماء قياداتها من كافة الصفوف، حتى مؤيديها في القرى والبلدات، وبعضهم نال شرف الشهادة مع كل أفراد أسرته تحت أنقاض بيوتهم في أبشع عملية إبادة جماعية يرتكبها الطيران والبحرية والمدفعية الصهيونية ... ولتبقى وصمة عار وبقعـة سوداء على جبين هذا " المجتمع الدولي غير الأخلاقي " وعلى جبين عملاء الداخل العربي و المحلي الذين لن ترحمهم المقاومة ، ولن تغفر لهم الأمة .