يا ميمتي، يا زين الشباب يا حسين، يا وردة قلبي وياسمينة العين، ليتك دفنت أمك قبل أن تعلم أنهم لفوك بحرام ودفنوك مع عشرين في الأرض البور قرب المقبرة التي لم تعد تتسع, ليتك سبقت عرس الشهادة بعرس الزواج فربما كان الله عوضني بـ «حسون» صغير يعينني على كبري وكهلي وخرفي. بس، لا يا روح أمك أنا لم أخرف، وحياة عينيك اللتين كانتا تنيران حياتي كلها أنا والحاج,,, لم أخرف، فأنا أعرف تماماً أن القدر لا راد له لكنني أريد أن يعرف العالم أننا لسنا هنا لنضع غصن آس على تربة من نحب بل لأننا نقدم الشهداء ونصمد في الوقت نفسه. العالم يا روح أمك كما هو لم يتغير، لا أخلاق ولا ضمير، لكن إسرائيل ستنهزم عاجلاً أم آجلاً، وغداً للأسف الشديد عندما ترتكب مجزرة كبيرة في يوم واحد كالتي أرتكبت في قانا سيضطر العالم إلى التدخل. وماذا أخبرك أيضاً، أولاد الكلب كأنهم كانوا ينتظرون ذريعة ليصنعوا منها كل هذا الإجرام: مسدوا القرى بالأرض، أحرقوها، قتلوا المئات، جرحوا الآلاف، شردوا عشرات الآلاف، هدموا المنازل فوق رؤوس ساكنيها، صار الجنوب أرضاً محروقة، دمروا ضاحية بيروت، قصفوا البقاع والشمال وكل مرافق الحياة, كأنهم رسموا خطة متكاملة على الكمبيوتر وانتظروا من يضغط على زر التنفيذ,,, بس وغلاوتك يا أمي سيخسرون ويضطرون لوقف إطلاق النار والتفاوض على إطلاق الأسير سمير القنطار لأن الحزب لن يسلم الجنديين الأسيرين ولن يترك سلاحه, أكثر من ذلك لو كنت حياً لرأيت كيف دمر لهم بارجة وضرب صواريخ على حيفا وجعلهم في حال رعب وأبكاهم كما أبكونا. مازلت أعجبك يا أمي صامدة ومنتصرة, أمس ركب أبوك وعمك وخالك «البيك آب» وذهبوا إلى بيروت، «زركوا» حالهم، كانوا نحو 25 شخصاً، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى منزل عمتك لطيفة في بئر العبد فلجأوا إلى مدرسة رمل الظريف، أما أنا فقلت أبقى لأن الإسرائيليين أولاد الـ (,,,) لن يضربوا «خرابة» لا منازل فيها ولا بشر ولا حتى زرع, بعدين بيني وبينك يا أمي زهقت من ذل التشرد وأيام الحشر في صفوف التلاميذ في المدارس، ولم أعد قادرة على تحمل التوتر من أجل كيس خبز أو علبة مارتديلا أو شوال برغل,,, «يللا هني زلم بيدبرو حالهم». بس شوف يا أمي، المعنويات أكبر مما يعتقد أحد, أمس حصلت تظاهرة كبيرة في سورية تضامناً معنا، وفي إيران، وفي كل الدول,,, حتى بنغلاديش لم تتحمل ما يجري, والأميركيون يطلبون من سورية التدخل، يعني أحسب معي يا أمي: عودة سمير القنطار، وعودة الدور السوري، وتضامن الشعوب العربية والإسلامية، وعدم تجريد الحزب من سلاحه، ونشر قوة دولية، وبقاء الجيش اللبناني بين القوة الدولية والحزب, كلها عوامل هزيمة نكراء لإسرائيل التي وضعت شرطين لوقف الحرب، تسليم الجنديين ونشر الجيش اللبناني على الحدود, لن نسلم الجنديين قبل إطلاق أسرانا ولن ننشر الجيش اللبناني على الحدود. فكرك نسيت إيران يا أمي، لا ما نسيت، إيران هددت إسرائيل بعقاب فظيع إن هي اقتربت من سورية، «هدول النشامى يا ميمتي»، يعني «تسترجي» طائرة إسرائيلية واحدة تحلق بعد اليوم في الأجواء السورية. أعود إلى المعنويات يا أمي، مرتفعة كثيراً, المهم أن لا نستمع إلى تحليلات «المفزلكين» و«المثقفين» و«جماعة الجرايد»، ذبحونا في التنظير عن الخطأ في الحسابات والتقدير, خرب لبنان؟ نعيد تعميره, استشهد المئات؟ هذه ضريبة المواجهة المستمرة مع أحقر عدو, تهجرت الناس؟ ستعود وتعمر بيوتها, المهم خروج القنطار وتقدم الدور الإقليمي لسورية وإيران، وبقاء السلاح مع الحزب وعدم انتشار الجيش على الحدود,,, بعجبك يا أمي بعدني ما خرفت. بس، كلمة أخيرة يا ميمتي طولت عليك معليش، أنا ما خرفت صحيح، لكنني لم أقل لك الحقيقة حول بقائي هنا وعدم ذهابي مع أبيك في «البيك آب» إلى بيروت,,, الحقيقة يا روح أمك أنني ما شبعت منك في حياتي فقلت: «خلليني ألحقك وبكفي معك على الجنة إن شاء الله». والحقيقة يا روح أمك أنني ما عدت أستطيع التمييز بين دمعة النصر ودمعة القهر فقلت إن الموت أرحم. والحقيقة يا روح أمك أنني لم أعد أفهم الفارق بين أسر إنسان وأسر بلد، وموت إنسان وموت بلد، وخطف إنسان وخطف بلد. سامحني يا ربي، لا أريد أن أتحدث مثل الذين أكره سماعهم، سامحني يا ربي، سامحني يا حسين، يا زين الشباب، يا عريس مكلل بغار الشهادة,,, والله يفرج كربي ويجمعني فيك.