لو افترضنا ان المقاومة في لبنان قد تعادلت في النقاط مع الجيش الصهيوني مادياً أو عسكرياً، فان ذلك يعتبر سياسياً انتصاراً لـ"حزب الله" الذي يصبح تكليفه الحضاري والوطني ان يحوله انتصاراً للبنان دولة وشعباً ومؤسسات وكياناً وطنياً للجميع. وهو هزيمة لاسرائيل بكل المعايير، خاصة انه كَسْرٌ للعادة الاسرائيلية التي رسختها الحروب المتوالية بينها وبين العرب، خاصة اولئك الذين رفعوا شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" فعطّلوا كل شيء فكانت المعركة كارثة، الا ما حصل في حرب تشرين 1973. وقبل ذلك كان الانتصار الفلسطيني في الكرامة مجداً ذا معنى مضاعفاً بعد الهزيمة، ولكنه لم يتحول الى رافعة حقيقية لمستقبل المقاومة التي عاد الترهل والفوضى وارتجاج سلم الاولويات ليحولها عن المسار الذي رسمته الكرامة في اتجاه القدس الى الاتجاه نحو الاردن وبعده لبنان الذي أدت المشاركة الفلسطينية في حروبه الى نيسان فلسطين لولا التذكير بها الذي حصل في عملية سافوي وعملية دلال المغربي. هذا الانتصار المفترض او الملموس حتى اليوم التاسع من العدوان على لبنان، والذي اذا ما بقي بعيداً عن المفاجآت الاسرائيلية التي لا يبدو انها متوقعة كثيراً، ماذا نصنع به؟ قبل أن أجيب أود التوكيد على ان هذه الحرب الآن تختلف لبنانياً، عن عدوان عام 1993 وعدوان عام 1996، فالعدوانان المذكوران طاولا الجنوب والبنية التحتية التي تصله بالعاصمة والوطن، وكانت حالة الوحدة الوطنية على المستوى الرسمي والشعبي هي الأظهر، ما جعلها تتجلى في مظاهر جميلة وعميقة ساعدت الدولة وعلى رأسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على ان ينهض بدوره الوطني الحاضن بصرف النظر عن بعض الاعتراضات، وكان ميثاق نيسان الذي شرع المقاومة دولياً. أما الآن فالوحدة الوطنية اللبنانية لم تكن مع بداية العدوان على ما يرام، وان كان عقلاء لبنان والعرب يشكلون بطريقة عملهم ضمانة لعدم الانفجار وعودة الصراع. ومن هنا عادت هذه الوحدة لتعاود تشغيل اسبابها بعد توترات الحقد الاسرائيلي على لبنان دولة وشعباً وتجربة ودوراً، هو الذي أوقع اسرائيل في الخطأ الذريع والمفيد، عندما لم توفر شيئاً ولا أحداً في لبنان من جنوبه الى وسطه وجبله وشرقه وغربه وشماله ومن شيعته الى سنته ومسيحييه، فاستنهضت بذلك عوامل التوحد ونشطت مصادر المضادات الحيوية في الدولة والشعب. باختصار شديد هدف اسرائيل الثاني بعد ترسيخ كيانها هو الغاء الدولة في لبنان وفي المنطقة وفي كل بلد عربي بناء على خصوصياته وبالطريقة التي تناسبه، أي تحويل التعدد الاثني الى مجموعة بدائل متصارعة كل منها يقدم نفسه بديلاً من الوطن والدولة، وتحويل الوحدة الظاهرة والتعدد الكامن في أقطار أخرى الى فرقة وفصال وتجزئة، لتبقى اسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة، وتتحول مجتمعاتنا كيانات متناحرة تأخذ القانون والحقوق بيدها، أي تلغي القانون فيتعاظم ضعفها ودمارها الداخلي ويحارب بعضها بعضاً ودائماً حرباً عشوائية عبثية متنقلة بما يحقق أمن اسرائيل الذي صرّح المسؤولون عنه منذ موشي دايان حتى الآن، بانه ما بعد وما فوق العسكري أو الاحتلال المباشر. وإذن فهذا يملي أن يكون المكان الأمثل لتوظيف النصر النسبي بالمعنى المباشر والأعلى نسبة بالمعنى العميق والاستراتيجي، لتوظيفه في إعادة بناء الدولة، اي استكمال النقل بالزعرور في ما يعود الى المخطط الاسرائيلي أي إحباطه. وهذا يمكن وصفه في المعادلة التالية: إن المقاومة مسؤولة لحفظ نفسها ودورها وجسدها، ومعناها أن تستريح في حضن الدولة، وليس لها ان تحتج بأن الدولة متعثرة، لأن تكليف المقاومة أن تزيل العثرات من درب الدولة، من دون أوهام أو مثاليات مستحيلة، فالدولة مشروع دائم الإنجاز ولا بد من خطوة أخرى على طريق البداية التي حصلت وتعثرت، والمقاومة لها من الصدقية المادية والمعنوية ما يؤهلها لأن تكون عاملا قوياً في تحقيق الخطوة النوعية نحو الدولة. وفي الوقت نفسه فإن الدولة مكلفة وهي تسعى لحفظ وجودها وفاعليتها ان تحتفظ بالمقاومة، وذلك من خلال تحرير المساحة المشتركة بينها وبين المقاومة، من دون إلغاء تعسفي او خيالي للاختلاف أو الاعتراض. غير ان إصرار الدولة على ذاتها وشروط تحقيقها لذاتها، ومنها التفاهم والتشارك مع المقاومة، من شانه أن يضبط الاختلاف بل يحوله الى مصدر حيوي لدى الجميع. الى ذلك فإن لهذا النصر وظيفة تفصيلية وشيعية على الخصوص، فالمقاومة و"حزب الله" وهما شيعيان، قد أنجزا الصفة الوطنية لحالهما منذ انفتح الخطاب على المدى الوطني الأوسع والمدى العربي والاسلامي الأوسع بعد الطائف الذي لم يعترض عليه "حزب الله" أبداً، وقد ساعد ذلك على تحقيق التفاف وطني حول المقاومة، خاصة عندما تجسد الخطاب المرن دخولا في مؤسسات الدولة فعزز الثقة بالفعل والالتزام الوطني لدى "حزب الله". ولم تتراجع بناء على ذلك المصداقية الشيعية لـ"حزب الله"، بل أصبحت أشد عمقاً واتساعاً (الانتخابات النيابية الأخيرة) ومضمونة في سياق وطني جامع أما الآن فإن هذه الصدقية قد اقتربت من حدود المطلق ما يعني انه لا بد من صيانتها من دون توهم انها مطلقة، وإن كانت هذه الصدقية مشوشة على المستوى الوطني نسبياً بسبب الحالة الانقسامية التي استشرت في لبنان منذ استشهاد الرئيس الحريري بإيقاعها الطائفي، فإن المقاومة وصمودها في وجه العدوان والتعادل مع القوة الاسرائيلية الذي يعني أنها متفوقة، قد اقتحمت ما تبقى من حساسيات عربية وإسلامية (سنية خصوصاً) تجاهها وتجاه الشيعة في المحصلة. وهذا يعني ان الشيعة بالمقاومة قد ساهموا في وضع العوائق الكبرى في وجه الفتنة، ويبقى عليهم أن يتحول ذلك على أيديهم الى مشروع سياسي ضامن للوحدة من خلال مساهمتهم في بناء الدولة لا على أساس المحاصصة، وإن لم تكن عيباً مطلقاً لكنها لا تتناسب مع المطلوب للبنان وللمنطقة. إذن فمطالب الشيعة من الدولة في إطار الحصص يجب ان يراعى فيها أمران، حق الشيعة وحق الوطن، وهنا يصبح التنازل الجزئي سلماً رصيداً للمستقبل ينميه الشيعة من خلال دورة إنتاج سياسي وتنموي وإداري مشتركة، لأن التنمية الذاتية الفئوية تحقق أرباحا وهمية مهما تكن أرقامها لأنها لا تكون مدعومة بدورة إنتاج وطني. وهنا، على الدولة أن ترتقي الى مستوى الجاذب والدافع للشيعة وللجميع على الإنخراط المتكافىء في مشروعها والمشروع الوطني عموماً. هذا الأداء الشيعي على المستوى اللبناني له وظيفة عربية خصوصا في البلاد العربية التي للشيعة فيها حضور كمي ونوعي. ومع الانتصار المفترض والذي لا يعدم أدلة واضحة على حصوله فعلا، والذي نرجو أن يبقى وأن نحافظ عليه لنحفظه ونحفظ انفسنا به، نتوقع أن يضع العراقيون حداً للذبح المتبادل وللفتنة السارية وللحرب الاهلية القائمة حتى لو تجنبنا تسميتها كذلك أصلاً بأن يشتغل العقل الوطني العراقي شغله المأمول. المفروض أن يعني الواقع اللبناني كثيراً لجميع العراقيين خاصة أن المقاومة والعدوان كشفا اللثام والغبار عن العدو الحقيقي والمشترك. والا فإن لم يلتئم النصاب الوطني العراقي على هذا المعطى الجديد والعميق واستمرت الفتنة، فإننا لا نبشر الشيعة والسنّة معاً بكيانات طائفية هادئة ومستقرة، بل نعدهم ونتوعدهم بناء على التاريخ القديم والحديث بأن تكون الفتن والمذابح بين السنّة والسنّة والشيعة والشيعة أبشع مما نشاهده الآن بين السنّة والشيعة. وأما الشيعة في المملكة العربية السعودية وفي البحرين وغيرهما من دول الخليج وشبه القارة الهندية، فإن وظيفتهم بناء على واقعهم وعلى الوقائع المستجدة أن يتنبهوا الى أنه لا يجوز ترحيل الشأن الوطني المحلي الى سياق الأمة، لأن ذلك قد يفضي الى ترجمة تضر بالمصلحة الوطنية ومصلحة الأمة. وعليه فإن الواقعة اللبنانية ببعدها الشيعي الذي لا ينكره أحد ولا يجوز أن يسيء استخدامه أحد، خاصة الشيعة، يدعوهم في أماكن وجودهم الى الانخراط في مشروع يؤكد الحق تحت سقف القانون ولا يتعجل ولا يتسرع فيترجم هذا المتحول الكلي بحركات جزئية وتفصيلية فيقزمه. إن المواطنة على اساس الحق والقانون هي النصاب الذي يحقق المصلحة العامة للجميع، وهذا تكليف الدول في مناطق الوجود الشيعي، وهي أي الدولة تحمي وجودها ودورها من خلال تعزيز هذا النصاب الجامع بينها وبين مكوناتها. ويبقى ان هناك قوى متطرفة وتكفيرية سنية تشكو من ضآلة مرجعيتها فكرياً وفقهياً وسياسياً، وهذه مصدر خطر أكيد يمكن أن يستثمر أي خطأ شيعي في إعادة إنتاج الفتنة ضد الشيعة والسنّة وضد الأنظمة العربية المستهدفة من قبل أعدائها الصريحين مثل اسرائيل وأعدائها المموهين ممن يتظاهرون بالحرص عليها ويزيدون من انتاج عوامل ضعفها واستقواء بعض مكوناتها عليها. واذا ما كان التطرف الشيعي غير قادر نسبياً على تظهير ذاته في السياق نفسه سياق الفتنة، بسبب النظام المرجعي الموروث، فان ذلك لا يدعو الى الطمأنينة المفرطة، والكل يعلم أن هناك نتوءات شيعية طامعة بخلخلة النظام المرجعي وانتاج مرجعية شعبوية وميدانية موازية لا تجد مكاناً لتحقيق ذاتها الا بالفتنة ولا يغطيها خطابها الوحدوي الكاذب. وهذا أمر يعرفه من يعرفون العراق عن كثب. ختاماً، إن لم يكن النصر على اسرائيل ضربة قاضية عليها، فإن النقاط المتحققة للمقاومة بامكانها