في الاعتقاد بأن أسر الجندين الاسرائيلين هو الذي فتح ابواب جهنم الاسرائيلية سذاجة لا يوازيها الا ما تتداوله بعض الكتب المدرسية من ان (برنسيب) الطالب البوسني هو الذي اطلق الحرب العالمية الاولى باغتياله دوق النمسا!!. فالمتتبع لتصريحات القادة الاسرائيليين فضلا عن التسريبات الاعلامية العربية والغربية يؤكد أن ما يحصل كان مقررا سلفاً. لكن خطف الجنديين قدم الموعد المقرر للعملية لا أكثر ولا أقل. فالتقديرات كانت تشير الى عملية عسكرية في آخر الصيف حيث لا تحتاج إسرائيل بحسب تقديراتها لأكثر من هذا التاريخ حتى تُجهز على حركتي (حماس) و(الجهاد). إذاً المعركة في مكانها اللبناني كانت محتومة لكن توقيتها كان فلسطينيا. وهذا ما جعل المقاومة تستدرج اسرائيل الى توقيت ملائم أكثر فلسطينيا، يحمي (حماس) و(الجهاد). وهو بلا شك يتصل برؤية شمولية باعتبار ان ما يحدث من غزة حتى العراق خاضع لقوانين (الأواني المستطرقة). وهو التعبير الآخر لما كنا نسميه طامحين: <قومية المعركة>!. والتي باتت من مفردات الماضي البعيد. البعض يستسهل تفسير هذا المشهد المركب من جانبه العربي فقط. وبما يُعرف ب<نظرية المؤامرة> ولكن ماذا عن الجانب الآخر حيث اسرائيل تسير بخطى حثيثة الى الطريق المسدود!. قد يجد المدقق أن جانبي المشهد يخضعان لما يمكن تسميته (نظرية الاجترار)! او التكرار!. ففي الجانب العربي الكل ومنذ زمن بعيد غارق في مربعه دون رؤية الرقعة بالكامل. فمثلا وقبل عقدين كانت التعبئة (الجهادية) ضد الشيوعية (الكافرة) في افغانستان. ثم التعبئة (القومية) لقادسية صدام. والنتيجة ما هو بين أيدينا: عراق مدمر. وجوار مقيد. واقع بين المطرقة الاميركية، والسندان الأصولي. وإلى مأزق أخرج وزير خارجية قطر عن صمته!. الآن ومن جديد يخلقون لبعض العرب (شيوعية جديدة) أسموها (القوس الشيعي) وإلى ما يضيّع البوصلة منهم. حتى استدرجوهم لمواقفهم ضد حزب الله والجهاد وحماس. من غير رؤية المربعات المجاورة. حيث اسرائيل المتوثبة وأميركا الذاهبة لتصنيع جغرافيا سياسية جديدة للمنطقة في ما تسميه (الفوضى الخلاقة)!. كذلك فإن <نظرية الاجترار> هي التي تفسر بل وتحكم سلوك اسرائيل. فهذه ما زالت تعتقد بأن أرشيفها العسكري قادر على ان يمدها بالأفكار المناسبة لهزيمة العرب. ولعل ما نشهده على الساحة اللبنانية، هو نسخة معدلة لخطط <عناقيد الغضب> تتمازج مع ذات الأسس التي وُضعت لضرب منظمة التحرير الفلسطينية عام .82 اي اذا لم تستطع آلة الحرب تقطيع المقاومة، يؤخذ محيطها رهينة بالدمار وإزهاق الارواح حتى تصبح عالة عليه. فيعاديها ويلفظها وتحاصر المقاومة بين محيط رافض لها وآلة حربية مدمرة. لكن الغرور الاسرائيلي جعله إسرائيل هذه المرة لا تقرأ خصمها جيدا. ومنها خبرته المتشكلة من تراكمات تجاربه وتجارب سابقة من مقاومات. ومنها مؤشران يعنونان حيثيات كثيرة لم يستوقفا اسرائيل. الاول هو ان المقاومة ليست فقط إبنة بيئتها خلافا للمقاومة الفلسطينية بل هي منخرطة فيها حتى العظم بالانماء، والخدمات، والتعليم، وإلى آخر القائمة. وإلى حد تكيف مشاعرها ووجدانها. وصياغة عقيدتها. وبالتالي سلوكها في إعلاء قيم البذل والشهادة والتضحية. وهذا ما يتجلى على سبيل المثال في ثبات معنويات الجنوبين بالرغم من الدمار والقتل الذي ألحقه بهم القصف الاسرائيلي. والتفافهم حول المقاومة. والمؤشر الثاني هو استعصاء حزب الله على الاختراق اسرائيليا خلافا لما ظهر عام 82 مع منظمة التحرير الفلسطينية. حتى تصورته <شبحا> لا تعرف عنه اسرائيل إلا ما يقذفه الآن من دفعات الصواريخ نحو مستعمراتها ومواقعها العسكرية. أما التدمير الاسرائيلي الذي لحق بلبنان وبهذه السرعة القياسية فقد بات سلاحا ذا حدين. فالحد الذي قد يخدم اسرائيل هو انه أعطى الخصوم السياسيين لحزب الله مادة دسمة للاستهلاك الشعبي وبين لوساطة فقط. لكن لو ظل حزب الله على صموده فإن هذا الدمار سيتحول بعد انقشاع غباره إلى عالة سياسية على الكثير من الدول العربية (الصديقة) لأميركا. ولاصدقاء هذه الدول في لبنان. كما أن هذه السرعة في التدمير خسّرت إسرائيل لعبة (التصعيد المتدرج)، وهو التكتيك الأساس في لعبة شد الحبال عندما تبدأ المفاوضات وفرض الشروط والشروط المعاكسة. فلا شيء بقي بعد هذا الدمار حتى يحسب حزب الله حسابا للمزيد. بل ما زالت لعبة التصعيد هذه بين يديه يستعملها في حينه وبما يسميه <المفاجئات القادمة>. أما بعض الداخل المعارض لحزب الله فلم يعد يملك مادة بعد هذا الدمار لتوظيفها في الضغط على حزب الله تحت عنوان (وقف المزيد من الدمار!). <نظرية التكرار> هي أيضا تفسر تصور البعض أن التخلي عن خيار (هانوي) سيفتح الطريق لخيار (هونغ كونغ). إنها مشكلة العرب التي يصفها أحد اصدقائهم (بريماكوف) <يعتقدون بأن الرياح ستأتي بحسب رغبتهم عندما يفتحون أشرعة سفينتهم>. لكن التكرار هو الذي يحكم بما قد يجره من نتائج هزيمة (جيش المقاومة) فيما هو عليه من حجم وتمثيل هذا إذا هزم جدلا! . اننا الآن امام مفترق الطريق. إما ان تقودنا هذه المواجهة الى ارهاصات ما بعد نكبة عام .1948 وإما ان تفتح آفاقا أشبه بما حدث بعد السويس عام .56 فأمام هذا المشهد المكتظ بالنار والدمار والمواقف الملتبسة جدا. ربما هنالك من يستعيد كلمات جمال عبد الناصر في حرب فلسطين: <كان رصاصنا يتجه الى العدو.. ولكن قلوبنا كانت تحوم حول وطننا البعيد الذي تركناه للذئاب ترعاه>.