قبل نحو أربعين عاماً، خاضت إسرائيل والعالم العربي حرباً غيّرت مجرى التاريخ في الشرق الأوسط. الآن بينما تتأرجح المنطقة على شفا زلزال جديد أكثر عنفاً على الأرجح، من المهمّ العودة إلى دروس "حرب الايام الستة"، ذلك النزاع الذي لم ترده سوى قلّة من البلدان الشرق الأوسطية ولم يتوقّعه أحد. بحلول عام 1967، بعد عشرة أعوام من حملة سيناء، استقرّ النزاع العربي-الإسرائيلي على استاتيكو غير مريح. كان نظام جمال عبد الناصر الراديكالي في مصر لا يزال يعلن التزامه تحرير فلسطين ودفع اليهود نحو البحر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى منافسيه المحافظين في الأردن والسعودية، غير أنّ أياً من هذه الدول لم يحاول تجديد العداوات. على النقيض، حافظت مصر على هدوئها خلف قوّات الأمم المتّحدة لحفظ السلام التي نُشِرت في سيناء وغزّة ومضايق تيران منذ عام 1957. وأبقى الأردن على صلات سرّية بالإسرائيليين. ومن جهتها، تعلّمت إسرائيل منذ زمن بعيد تجاهل الخطاب العربي العدائي والبحث عن قنوات عبر الباب الخلفي للوصول حتّى إلى الحكّام العرب الأشدّ انتقاداً لها. وحتّى في نيسان 1967، كان المسؤولون في وزارة الخارجية الإسرائيلية لا يزالون يتكهّنون إذا كان عبد الناصر شريكاً حيوياً لإطلاق عمليّة سلام. لكنّ دولة عربية واحدة لم ترد السلام. لقد أرادت سوريا آنذاك كما الآن في ظلّ حكم حزب البعث الميّال إلى القتال، الحرب. بعدما حاولوا عام 1964 وفشلوا في تحويل مجرى نهر الأردن قبل عبوره الحدود الإسرائيلية (قصفت طائرات القوّات الإسرائيلية ومدافعها السدود) بدأ السوريون دعم مجموعة فلسطينية مقاتلة غير معروفة كثيراً يُطلَق عليها اسم "فتح" بقيادة ياسر عرفات. وقد بدأت "فتح"، مستخدمةً لبنان قاعدة أساسية لها، عمليّاتها ضدّ إسرائيل عام 1965 وسرعان ما صعّدت هجماتها. أخيراً، في نهاية عام 1966، شعر المسؤولون الإسرائيليون أنّهم مرغَمون على الردّ. لكن خوفاً من عواقب الهجوم على سوريا المدعومة من الاتّحاد السوفياتي، قرّروا ضرب معقل لـ"فتح" في الضفّة الغربية التي يسيطر عليها الأردن. لسوء الحظ، أدّت الغارة إلى قتال بالأسلحة الرشّاشة بين القوّات الإسرائيلية والجنود الأردنيين، ودفعت الأردنيين إلى القول بأنّ عبد الناصر لم يفعل ما يكفي لحماية فلسطينيّي الضفّة الغربية. في سعي حثيث لإعادة تلميع صورته، استغلّ عبد الناصر تقريراً سوفياتياً كاذباً عن خطط حرب إسرائيلية لطرد قوّات حفظ السلام التابعة للأمم المتّحدة. أغلق مضايق تيران أمام السفن الإسرائيلية ونشر مئة ألف جنديّ على الحدود مع إسرائيل، وعقد مواثيق مناهضة لإسرائيل مع سوريا والأردن. ابتهج العالم العربي إزاء احتمال القضاء على إسرائيل، وحتّى السوفيات التوّاقون إلى إيجاد طريقة لإلهاء الأميركيين عن فيتنام، سُرّوا بالأمر. لم يكن أمام القادة الإسرائيليين من خيار سوى تحديد موعد الضربة الوقائية ومكانها. وهكذا، فجأةً وبطريقة غير متوقَّعة، اندلعت حرب إقليمية لم يكن المقاتلون الأساسيون فيها - إسرائيل ومصر والأردن - يرغبون فيها ولا يتوقّعونها. والدرس المستمدّ منها هو أنّ النزاعات المحلّية في الشرق الأوسط يمكن أن تخرج بسرعة عن السيطرة وتتحوّل حرباً إقليمية. وينطبق هذا الدرس في شكل خاص على الأزمة الحالية. في ذلك الوقت كما الآن، يحرّك السوريون منظّمة "حزب الله" الإرهابية لشنّ غارات على إسرائيل انطلاقاً من لبنان. في ذلك الوقت كما الآن، أرغم الارتفاع السريع في الهجمات الإرهابية إسرائيل على شنّ عمليّات انتقامية. واذا أراد السوفيات عام 1967 تحويل انتباه أميركا عن فيتنام، يريد الإيرانيون - داعمو سوريا الحاليون - تحويل انتباه أميركا عن برنامج التسلّح النووي. ومرّة أخرى، ينبغي على إسرائيل أن تقرّر متّى ستردّ وضدّ من. عام 1966، امتنعت إسرائيل عن مهاجمة سوريا، وشنّت بدلاً من ذلك غارات على الأردن، فأطلقت عن غير قصد سلسلة أحداث أفضت إلى الحرب. مجدداً تحجم إسرائيل عن الدخول في مواجهة مع الداعمين السوريين لـ"حزب الله"، ربّما لأنّها تخشى تصادماً مع إيران. وتماماً كما أدّى إخفاق إسرائيل في معاقبة راعي الإرهاب عام 1967 إلى أزمة أكبر بكثير، من شأن إسرائيل، عبر التردّد في الانتقام من السوريين اليوم، أن تحوِّل ما بدأ مناوشة حدوديّة مواجهة أكثر تدميراً على الأرجح. قد تقصف إسرائيل لبنان إلى أن تدفعه للاستسلام وقد تسدّد ضربة قاضية لـ"حزب الله" لكن ما دامت سوريا خارج القتال، مستحيل أن تتمكّن إسرائيل من إحداث تغيير دائم في المتاهة السياسية اللبنانية وضمان وقف إطلاق نار دائم في الشمال. على النقيض، اقتناعاً منهم بأنّ إسرائيل غير راغبة في مواجهتهم، قد يستمرّ السوريون في تصعيد التوتّر دافعين بالأمور نحو الأزمة. وقد تكون النتيجة حرباً شاملة مع سوريا وإيران، واضطرابات سياسيّة حادّة في الأردن ومصر والخليج. يكمن الجواب في تسديد ضربة حاسمة للقوّات البرّية السورية المنتشرة قرب الحدود مع لبنان. عبر القضاء على خمسمئة دبّابة سورية - وهي دبّابات يحتاج إليها الرئيس السوري بشار الأسد للإبقاء على نظامه - تعطي إسرائيل إشارة بأنّها ترفض العودة إلى الستاتيكو في لبنان. من شأن تحرّك مماثل أن يوجّه رسالة مفادها أنّ من يدعم "حزب الله" عليه أن يدفع ثمناً رادعاً. بالطبع، قد تردّ سوريا بهجمات بالصواريخ على مدن إسرائيلية، لكن نظراً إلى الوضع المزري للجيش السوري، الاحتمالات أكبر بأن يفهم الأسد الرسالة وحسب. إذا كان عليه الاختيار بين إنقاذ "حزب الله" أو البقاء على قيد الحياة، على الأرجح أنّ الديكتاتور السوري سيميل إلى الخيار الثاني. وستفهم طهران أيضاً الرسالة التي يوجّهها التصميم الإسرائيلي. يحمل أيّ عمل عسكري مخاطر لا سيّما في الشرق الأوسط غير القابل للتوقّع. لكن إذا كانت هناك دروس نستمدّها من الماضي، وإذا كانت "حرب الستّة أيام" تشكّل نموذجاً عن حرب غير مرغوب فيها كان بالإمكان تفاديها من خلال ضربة مبكرة ومدروسة على سوريا، فالاستراتيجيا الإسرائيلية الحالية في لبنان تستحقّ إذاً إعادة النظر فيها. إذا خرجت سوريا سالمةً ولم تُردَع إيران، ستبقى إسرائيل غير آمنة.