رفضها استقبال الوفد الدولي فوّت عليها فرصة ثمينة

اتخذت سوريا في اليوم الحادي عشر للحرب الاسرائيلية على لبنان مواقف سياسية بعدما اقتصرت تصريحاتها على تأكيد دعمها المقاومة وفق ما قال نائب الرئيس السوري فاروق الشرع ان هناك ارضا محتلة من اسرائيل، ثم التظاهرات الداعمة لـ"حزب الله" والمنددة باسرائيل. فأبدت استعدادها لفتح حوار مع الولايات المتحدة من اجل المساعدة في وقف النار في موازاة اعلان الرئيس الاميركي جورج بوش ان احد اهداف زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس للمنطقة عزل سوريا وايران. والواقع ان المؤتمر الدولي الذي يعقد في روما في 26 تموز الجاري يستبعد سوريا للمرة الاولى منذ ثلاثين سنة عن اجتماعات دولية خاصة بلبنان. ولم تساعد المواقف السورية المتشنجة التي ابدتها دمشق غداة انسحابها القسري من لبنان وحملاتها المتواصلة على رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والاكثرية التي يمثل ورفضها التجاوب مع مطالب الحوار باقامة علاقات ديبلوماسية بينها وبين لبنان وتحديد مزارع شبعا في طلب الاستعانة بها. وفيما لم تتوقف الاتصالات الاقليمية والدولية التي اجراها لبنان في جميع الاتجاهات، فان اتصالا حصل بالواسطة عبر الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري وبدت سوريا اكثر مقصية عن شؤون لبنان ورغبة مسؤوليه في معالجة امورهم بانفسهم علما ان كثرا يتفقون على ان سوريا قد لا تكون بعيدة من توظيف ما قام به "حزب الله" ان لم تكن احد ابرز الدافعين اليه، من اجل العودة الى الساحة الاقليمية والدولية عبر لبنان باعتبارها احدى القوى المؤثرة على الحزب. وجميع الدول الغربية ادلت بتصريحات واضحة في هذا الاتجاه معتبرة ان سوريا قد لا تكون بعيدة مما يجري وتريد ربما العودة الى لبنان او العودة الى الامساك بزمام اموره كما فعلت حين فاوضت عنه عام 1996 وكانت جزءا من التفاهم الذي تم التوصل اليه والذي عرف بتفاهم نيسان. ويعتبر البعض ان سوريا قد تكون اخذت نفسا من دعوة الامين العام للامم المتحدة كوفي انان الى اشراك سوريا في ايجاد تسوية للحرب على لبنان، لكن المعطيات المتوافرة تفيد ان لا نية لدى اي من الدول المؤثرة في الاخذ بهذه الدعوة. فهناك ارادة لاشراك سوريا من خلال حضها على الضغط على "حزب الله" وان تلعب دورا مع ايران في هذا الاطار في ظل اعتقاد عدد من الدول انها المحرك الاساسي للحزب في حين ان سوريا هي المعبر للدعم الايراني من جهة وورقة بمقدار الربط بين مزارع شبعا والجولان من اجل "استمرار تلازم المصير والمسار". لكن ما يتم تداوله حتى الان لا يخرج عن اعطاء سوريا ثمناً في مقابل ممارستها ضغطا على "حزب الله" هو اعلان العزم على احياء مبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز في ما عرف بمبادرة السلام العربية ولا يرى احد غير هذا السبيل من اجل تسهيل دمشق تحديد مزارع شبعا بينها وبين لبنان، وخصوصا انها فوتت على نفسها، كما يرى البعض، فرصة ان تستعيد بعض الحضور وتفك عزلتها برفضها استقبال الوفد الدولي الذي كلفه انان بدعم من المجتمع الدولي زيارة المنطقة بذريعة مآخذ لها على موفد الامين العام لمتابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن وانها تعتبر انها غير معنية بهذا القرار الذي نفذت منه ما يتعلق بها بسحب قواتها من لبنان. وهذا تصرف انفعالي حرم دمشق استثمار اي موقف في المستقبل متى هدأت الامور بينها وبين الولايات المتحدة. وتقول مصادر معنية ان ما تريده سوريا اساسا على نحو ملح هو فتح حوار بينها وبين الولايات المتحدة لكي تخرج من عزلتها الدولية ولا تكون مقصية عن اي دور لها لا في لبنان ولا في فلسطين لاحقا باعتبار ان التسوية هناك ستلحظ اعادة اعطاء الزخم لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وربما افساح المجال امام حكومة من التكنوقراط مما يساهم في تهميش حركة "حماس". لكن الحوار لا يبدو متاحا على الاطلاق بالنسبة الى ادارة الرئيس بوش الذي لم يفتح حوارا من هذا النوع مع سوريا وهو في ذروة ازمته في العراق ولن يفعل الان بالنسبة الى لبنان علما ان اسرائيل تظهر ارتياحا في حربها على لبنان حتى الان. وكل ما تخشاه، اقله بحسب المعطيات الواردة من واشنطن ان تزداد الضغوط عليها وعلى واشنطن من اجل انهاء فوري وسريع للحرب ظهرت طلائعها في تصريحات لوزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية في بيروت انتقد فيها الحرب بشدة، مع ان بريطانيا هي اقرب الاوروبيين الحلفاء الى الولايات المتحدة، مما يجعل اسرائيل تقف وحيدة مع داعم دولي وحيد لمواصلتها الحرب وهو اميركا. وتقول مصادر معنية ان سوريا تود فعلا الا تقصى عن التسوية الراهنة للحرب الاسرائيلية على لبنان لان اقتراحات انان التي تمحورت على حل المسائل العالقة للبنان مع اسرائيل بمعنى انه يسحب من يد "حزب الله" كل الذرائع لمواصلة المقاومة ضد اسرائيل، وهذه الاقتراحات هي في حد معقول ومقبول بالنسبة الى ما تسعى اليه الولايات المتحدة او اسرائيل وخصوصا اذا كانت القوة الدولية التي تسمح اسرائيل بانتشارها على الحدود مع لبنان تريدها ان تراقب خط امداد السلاح من سوريا الى الحزب. وقد لاحظ البعض نشاط الاتصالات السورية في اتجاهات متعددة من اجل ابراز قدرتها على المساهمة في الحل، لكن بعض المعنيين يقولون ان على سوريا ان تظهر الكثير من حسن النية وان تقدم الكثير قبل ان تبدأ ببعض الحصاد، والذي لن يكون في لبنان ما دام التوافق الدولي قائما على استبعاد سوريا عنه. فهل تصح هذه المعطيات ام تتعقد الامور فتدفع الحلول في اتجاهات اخرى؟