كزنبقة غضة تتفتح بنضارة ندى الصباح وقفت *مدى* أمام المرآة ملفوفة بثوب العرس الأبيض تحلم بلقاء عريسها المنتظر على الطرف المقابل من الحدود السورية ­ اللبنانية ليأخذها الى بعلبك الرازحة تحت القصف الإسرائيلي لليوم الرابع. لم تبد مدى أي خوف من الحرب المفتوحة وهي تستعد لمغادرة قريتها السورية «حاويك» عند الحدود, وإنما قالت بكل تحد: «ذاهبة لاستشهد نحن لا نخاف إسرائيل ولا الموت». مدى ذاهبة لتبدأ حياة جديدة في أصغر وأجمل بلد عربي تآمرت عليه أكبر وأعتى وأبشع القوى في العالم بالتواطؤ مع تخاذل عربي أشد مضاضة من العدوان ذاته, في محاولة لقتل أي قابلية للحياة فيه. مضت *مدى* تختال بثوبها الأبيض على طريق تؤدي الى المجهول, فيما الآلاف من المهجرين والنازحين يزرعون بمآسيهم الطريق باتجاه سوريا. وكما مدى الشابة الذاهبة الى بعلبك لتواجه الموت بالحياة, كانت السيدة المسنة أم رياض نجيب الريس في دمشق لقضاء بعض الوقت, ما إن سمعت ببدء العدوان حتى حزمت أمتعتها, وغادرت على الفور باتجاه بيروت رغم تمني موظفي الفندق ألا تعرض نفسها لخطر السفر في طريق تعرض بمجمله للقصف, لكنها رفضت وأصرت على الذهاب الى بيتها في بيروت, بينما الناس يتدفقون باتجاه معابر الحدود السورية النظامية منها كالدبوسية ­ جوسية ­ جديدة يابوس, والمعابر غير النظامية وطرق التهريب الوعرة التي لا تعترف بالحدود ولا بالجغرافيا الوعرة للجبال والأنهار, لتمتلئ بهم مدن الساحل وريفه من بانياس وطرطوس وحتى اللاذقية, ومدن الداخل في محافظتي حمص ودمشق وريفها. المسير الى دمشق بالقرب من قرية صغيرة في سهل الزبداني, كان أبو مالك مع عائلته في أحد البساتين يمضي يوم العطلة, فالتقى عند أحد الطرق الزراعية عائلة لبنانية أب وأم وقريبة لهما, معهم ستة أطفال ومنهم رضع, أنهوا للتو رحلة ثلاث عشرة ساعة من السير في الجبال ليقطعوا المسافة من الأراضي اللبنانية إلى السورية, طلبوا المساعدة للوصول الى دمشق حيث أقاربهم, فقد غادروا تحت القصف على عجل ولم يحملوا معهم أي وثائق, فقط أطفالهم وبالملابس التي يرتدونها. وحين عرض عليهم ابو مالك إيجاد سكن لهم أو أي شيء آخر, رفضوا وأكدوا أنهم لا يريدون سوى الوصول الى أي نقطة في دمشق. هذه العائلة ومثلها المئات, معظمهم من النساء والشيوخ والأطفال, وجدوا النزوح الخيار الأفضل للنجاة بحياة أطفالهم, فيما بقي غالبية الشباب في مناطق الخطر يواجهون القصف الهمجي بصدور عارية إلا من الصمود والتحدي, ليتابع الشعب اللبناني المقاوم تسطير ملحمة بطولية مشرّفة أخرى, ليس فقط للبنان, بل للعرب جميعاً. لبنان الذي كان *قطعة سما* للسياح الأجانب والمصطافين العرب وأبنائه المغتربين, حوَّله العدوان الإسرائيلي الى *قطعة من جحيم* فر منها خلال الأسبوع الأول ما لا يقل عن نصف مليون شخص, حسب تقديرات موظفي الجمارك عند المعابر النظامية. وفي الأيام الثلاثة الأولى فقط, عبر حوالى 90 ألفاً حسب تصريحات رسمية, فيهم على الأقل 300 من الطبقة المالكة في الخليج العربي والسعودية مع حاشيتهم من موظفين وخدم, كما أكدت مصادر لـ«لكفاح العربي» في المنطقة الحدودية, وأفادت أيضاً بأن غالبية النازحين في الأيام الأولى, كانت من السياح العرب والأجانب, قصدوا سوريا للعبور الى بلدانهم بعد قصف مطار بيروت. وفي الأيام الأخيرة كانت غالبية المغادرين من المواطنين اللبنانيين جاؤوا من مناطق القصف, بحثاً عن ملاذ آمن, أكد معظمهم أنه لولا الأطفال, لما غادروا بيوتهم التي صارت أثراً بعد عين. سيدة من حارة حريك تنتظر في السيارة إنهاء معاملة الدخول تحتضن طفلها الرضيع, قالت إن عائلتها لا تزال في الملجأ, أما الملجأ الذي تقصده فهو كما تقول: «مرآب السيارات», رجل عجوز نزل من باص يقل عدة عائلات قال, إنه أتى بالأطفال والنساء وترك هناك الشباب يقاومون, وأنه لو كان قادراً على حمل السلاح لما غادر الضاحية. رجل دين معمم جاء يوصل أطفاله القادمين من قانا الى دمشق, حدثنا بثبات ورباطة جأش وبشرنا بانتصار المقاومة الصامدة, وحين سألناه عن حارة حريك والضاحية قال: «أكلمكم ودوي الصواريخ في أذني, وأؤكد لكم أن المقاومة بخير». انقلاب الـ180 درجة العام الماضي وفي مثل هذه الأيام تقريباً, زارت «الكفاح العربي» مركز جديدة يابوس لاستطلاع أزمة توقف الشاحنات عند الحدود السورية­ اللبنانية, وكانت العلاقات بين البلدين وصلت الى ذروة التوتر, في وقت بذل المجتمع الدولي كل جهده وقراراته لفصل عرى البلدين بزعم حماية لبنان من الهيمنة السورية, وكانت مشاعر العداء تتصاعد على الجانبين بشكل مؤسف؛ نرى اليوم أن المشهد سجل انقلاباً 180 درجة, فالمجتمع الدولي ترك لبنان نهباً للعدوان الإسرائيلي الوحشي, ووقف يتفرج بقلب بارد, بينما سوريا كلها شعباً وحكومة تتداعى لتقديم كل الدعم والمساعدة, لتأكد مجدداً بطلان أي دعوى لفصل البلدين, وحتى الذين قالوا يوماً ان لبنان لن يحتاج الى سوريا ولن يضيرها إغلاق الحدود, طالما كل السبل أمامهم مفتوحة الى كبرى عواصم العالم المتحضر, هم الآن مضطرون لعبور البوابة السورية من وإلى لبنان, البوابة التي ثبت عدم إمكان إغلاقها, وبخاصة حين يغلق المجتمع الدولي بوابات السلام. شبان وشابات لبسوا قمصاناً بيضاء مزينة بالعلمين السوري ولبناني يمثلون تجمع المؤسسات الأهلية, مع شباب الهلال الأحمر السوري ينتشرون بين القادمين يسألونهم عما يحتاجونه. ومع نهاية يوم طويل, كانت ريم من الجمعية السورية للعلاقات العامة, ومعها فريق من الشباب يغالبون التعب, وهم يركضون ملهوفين من شخص الى آخر؛ هذا يسجلون اسمه لتأمين مأوى, وتلك نسيت بطاقة هويتها يسهلون معاملة دخولها, وآخر اصطحب عائلته الكبيرة وجميعهم لا يقرأ ولا يكتب ولا يعرفون كيف يملأون قسائم العبور, فيمدون لهم يد العون, ولا ينسون تقديم سندويش وماء لسيدة عجوز عاجزة, قضت ثلاثة أيام حتى وصلت الى الحدود. تقول ريم وبإنهاك واضح: رأينا الأهوال, الوضع الإنساني كارثي, ولا نعلم ماذا يفعل أهلنا المنكوبون في لبنان. ورغم كل ما يبذله الشباب يجدون أنفسهم في موقف محرج للغاية أمام مواطنين فلسطينيين فروا مع عائلاتهم من لبنان, لا يحملون إذن دخول الى سوريا, لأن مشكلتهم ليست كغيرهم فهي أكبر من أي مساعدة. موظف في وزارة الداخلية قال, لم نسمح إلا بدخول الفلسطينيين ممن لديهم وثائق, لكن هؤلاء قضيتهم معقدة وحلها ليس بيدنا, الأمر يتعلق بالمشاكل السياسية للجوء الفلسطيني. وأمام غضب العائلات الفلسطينية, لم يملك أحد السوريين إلا الرد ممازحاً سيدة فلسطينية لتخفيف انفعالها, إنه قدركم أيها الفلسطينيون أن تكونوا في قلب كل أزمة, وليس أمامكم سوى التخييم على الحدود. فبادرته سيدة أخرى بالقول, قدرنا أننا نؤدي دائماً دور دريد لحام في فيلم الحدود. السوق الحرة بدورها تقدم مأوى ووجبات مجانية للمنتظرين ساعات طويلة, إنها المساعدة التي تخفف وطأة المعاناة حتى لو لم تلغها, فالكحل في هذه الحال أفضل من العمى التام . عدا عن تلك الجهود الفردية, فالمواطنون السوريون فواز بغدادي ومحمد وجهاد علي وأبو محمد مرعي ومعهم عشرات غيرهم, وفدوا من دمشق وريفها الى جديدة يابوس ليضعوا سياراتهم وبيوتهم تحت تصرف من يحتاج اليها من النازحين, فقد سمعوا بالإذاعة عن حاجة النازحين للمساعدة, فجاءوا تلبية لنداء الإغاثة كأقل ما يمكنهم تقديمه لدعم المقاومة. أحد المواطنين قال إنه قادر على دفع 1000 دولار وآخر قال, إن لديه القدرة على استضافة ثلاثين شخصاً. كما ترك كل من الدكتور أحمد الحاج دياب ومصطفى ناصر الدين حسين الحاج دياب أرقام هواتفهم مرفقة باستعدادهم لاستضافة 600 شخص. أما المؤسسات والتجمعات الأهلية, كالمنتدى الشبابي فقد بادر العشرات من شبانهم إلى تولي مهمة الاستقبال وتقديم العون عند الحدود والتنسيق لإيجاد سكن لهم, ووضعت إعلانات كبيرة وأرقام هواتف لتأمين سكن مجاني, كذلك الوزارات: الشؤون الاجتماعية والعمل والصحة والداخلية والأوقاف والمالية والتعليم العالي والمنظمات والنقابات. كما وضع تجمع المؤسسات الأهلية والهلال الأحمر كل إمكاناتهم لاحتضان المواطنين اللبنانيين, وخصصت عشرات الباصات ووسائط النقل لنقلهم مجاناً الى دمشق, بعدما شاعت خلال اليومين الأولين من العدوان معلومات عن أسعار خيالية يتقاضاها السائقون من الأهالي النازحين, فبلغت تكلفة الشخص من بيروت الى شتورة 1000 دولار ومن شتورة الى المصنع 100 دولار ومن المصنع الى الجديدة 100 دولار, ومن الجديدة الى دمشق ما بين 200 و300 دولار, ولا شك أنها أرقام خيالية لا ضابط لها في وقت يبدو أن البعض لم يوفرونه, وأولهم ضعاف النفوس من مستغلي الأزمات؛ أبو جورج سائق على خط دمشق بيروت, قال أنه يكتفي بـ500 دولار من بيروت الى دمشق, في وقت تبلغ تكلفة الشخص الواحد 1500 دولار. يبرر أبو جورج ارتفاع الأسعار بأن لدى السائق عيال وهو يخاطر بحياته, باضطراره إلى سلوك طرق وعرة وخطرة, بعد أن دُمرت الطرق الرئيسية. كذلك حال امكنة السكن, إذ حاولت الحكومة توفيرها بعد ورود معلومات تشير إلى تسجيل أسعار جنونية للغرف والشقق السكنية القليلة بالأساس, فتم على الفور فتح كافة الأبنية القادرة على استقبال الوافدين كأبنية السكن الجامعي وأبنية الجمعيات الخيرية, بعدما امتلأت فنادق دمشق كافة والمدن القريبة من المعابر الحدودية. موضع رأس في فندق الشام, كان من الصعب جداً إيجاد غرف لمجموعة سياح قادمين من أوروبا لديهم حجز مسبق عن طريق مكاتب سياحة, فقد تم تأجير غرفهم لقادمين من لبنان مددوا اقامتهم عدة أيام بسبب عدم توافر حجوزات لدى شركات السفر. لكن شابة لبنانية تجرجر حقيبتها بتعب شديد, لم تفقد الأمل بالعثور على غرفة ترتاح فيها بعد ساعات طويلة من السفر الشاق من بيروت الى دمشق, قالت لموظف الاستعلامات, إنها مستعدة للنوم في غرفة التنظيف...«مجرد شبر فقط أرتاح فيه». في فندق أمية الأمر ذاته, وكذلك في المريديان والشيراتون وسائر فنادق الأربع والخمس نجوم حتى فندق الفور سيزن رغم ارتفاع أسعاره لا موطئ فيه لقدم. أما فنادق النجمة وما دون فحدث ولا حرج, لا مكان حتى في بهو الاستقبال. الحصول على غرفة أمر بالغ الصعوبة, ولا سيما أن غالبية القادمين من لبنان يقصدون سوريا كمحطة عبور, لا يعرفون كم ستدوم إقامتهم, ما يجعل تأمين سكن لهم بالسرعة اللازمة يشكل أزمة حقيقية, حاولت الحكومة احتواءها بعد إعلان استنفار عام اتخذ منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي, إذ اصدر الرئيس بشار الأسد توجيهات بوضع كل موارد سوريا تحت تصرف لبنان, لتتحول المؤسسات السورية العامة والخاصة الى خلية نحل يتسابق فيها الجميع الى تقديم الخدمات, تدفعهم الرغبة العارمة بدعم المقاومة اللبنانية. لذلك لاعجب في أن كل من قابلناه كرر جملة واحدة؛ إنه أقل ما يمكن أن نقوم به من أجل المقاومة, فيما سأل فواز بغدادي عن سبل التطوع للالتحاق بالمقاومين. الجولات الميدانية للمسؤولين مدنيين وعسكريين لا تنقطع, ويقوم موظفون برتبة مديرين عامين بالإشراف المباشر على تنظيم الدور, عدا زيارات الوزراء المتكررة لمتابعة تنفيذ التعليمات بتقديم كل التسهيلات للمواطنين اللبنانيين والعرب. قال العقيد مشهور حسن لـ«الكفاح العربي», إنه تم إلغاء رسوم الدخول لكل من يحمل الجنسية العربية, وبالنسبة للمواطنين اللبنانيين تم تمديد الإقامة من 15 يوما الى شهر, وأنهم يبذلون قصارى جهدهم كي لا يطول انتظار العابرين للحدود. أما رئيس المفرزة أبو أحمد, فقد اخبرنا ان حركة نزوح واسعة تتم من لبنان الى سوريا, وهو يحمل بيده قائمة بأرقام هواتف مواطنين سوريين وضعوا منازلهم تحت تصرف النازحين, ويطلب من احد العناصر إبلاغ القادمين بذلك؛ لتتبدل مهمة الجمارك من التفتيش والمراقبة الى تقديم المساعدة . فمنذ أيام قليلة, كانوا يمنعون مرور أي شيء من لبنان, واليوم يسمحون بكل شيء. هذا بالإضافة إلى مضاعفة الكوادر وإعلان حالة استنفار لاستيعاب حجم الضغط الناجم عن تدفق النازحين, حتى المصرف التجاري السوري ضاعف عدد موظفيه عند المعابر والمطارات لتأمين عمليات تصريف العملات منعاً لأي استغلال أو نشوء سوق سوداء في هذا الظرف العصيب. لم تكن حالة الاستنفار في المدينة الجامعية أقل منها عند الحدود, وإن اتخذت شكلاً آخر, فالمدير المسؤول عن المتابعة المهندس أحمد الزعبي, لم ينم منذ يومين, تم خلالها فتح الحرم الجامعي بالتنسيق مع وزارة السياحة لاستقبال رعايا السفارة الدانمركية. وقال لقد حاولنا قدر الإمكان جعل هذا المكان وهو سكن طلابي, أن يكون ملائماً لاستقبال الوافدين, مع أنه غير مؤهل لذلك, خصوصا وأننا في الصيف, وسعينا لتوفير خدمات طبية, مع تأمين وجبات طعام ومياه للشرب فورية. وكان الزعبي بين جملة وأخرى يرحب بالقادمين من لبنان, ثم يتوجه إلينا للتشديد على ضرورة تركيز الصحافة على العدوان الصهيوني الغاشم, رافضاً الحديث عن أي مشاكل تواجههم مع القادمين, وكما بدا لنا أنه لا يريد التوقف عند تفصيلات عابرة, فيما العدوان يحصد الأرواح بهمجية في لبنان. إلا أن شباناً كانوا حيث يوجد موظفي البنك التجاري, لم يكتموا ملاحظاتهم حول معاملة السفارة الدانماركية لرعاياها, ومع هؤلاء الشباب جلسنا نستعيد معهم تفاصيل يوم طويل وشاق. أحدهم قال, المشكلة أن نزلاء المدينة الجامعية ظنوا أن المدينة فندق, وأن سفاراتهم تسدد أجور نزولهم فيها, فقد سمعنا كلاماً مزعجاً من البعض, بمعنى أكثر وضوحاً أخذوا فكرة سلبية عن سوريا رغم كل ما تبذله, فهناك من تحدث عن سوء الخدمة والقذارة, علماً أن النزلاء الذين سبقوهم, لم يكلفوا أنفسهم عناء ترتيب غرفهم والتخلص من مخلفاتهم, فهم لا يعلمون أن هذا البناء هو سكن طلابي فُتح لهم مجاناً وبشكل استثنائي. شاب آخر قال, رأيت بعضهم يرمي مفتاح الغرفة من النافذة, قبل أن يغادر الى المطار, تعبيراً عن امتعاضه. وتحدث عن سيدة اصطحبت معها كلبها ورفضت أن تطعمه السندويش الذي قدمناه للناس, وكأنها وكلبها لا يليق بهما سوى فندق خمس نجوم. ومع ذلك يقول, كرمى لعين المقاومة البطلة والسيد حسن نصر الله تسامحنا وسنتسامح مع الذين يصرون على الإساءة لسوريين. في المطار في مطار دمشق شهدت الحركة نشاطاً مضاعفاً ضمن حالة طوارئ, جعلت المسؤولين يقفون على قدم واحدة كما يقال في العامية, منعاً لحدوث أي خلل, فالتسهيلات كانت استثنائية فعلاً, والوزراء واحد خارج والآخر داخل, يتفقد أدق التفاصيل, كما جرت مضاعفة أعداد الموظفين من عمال النظافة مروراً برجال الأمن الداخلي وحتى موظفي مراقبة الجوازات, وتضاعفت حركة الطيران وأضيفت طائرات خاصة وعامة الى الرحلات المنتظمة لنقل العابرين من لبنان, وارتفع إقلاع الطائرات من 50 طائرة الى 100 طائرة خلال اليومين الأخيرين, وأكثر من 15 طائرة خاصة. السيدة غندا لبنانية تحمل الجنسية الألمانية, قدمت من البقاع مباشرة الى المطار ومعها طفلان, قالت انها ذاهبة وقلبها عند والدتها في البقاع, إنها لا تعرف ما بوسعها أن تفعل فقد تركت في ألمانيا ولدين, وقفت في المطار تكتم دموعها بانتظار الطائرة, فيما امتلأت صالات المطار بالمسافرين الذين أمضى بعضهم ليلته هنا, ومنهم من يتوقع أن يمضي يوماً آخر بانتظار طائرته. نبيل سروجي لبناني, جاء من قطر الى دمشق ومنها الى اللاذقية ليلاقي عائلته القادمة عبر طريق طرابلس, بعد أن أغلقت كافة الطرق من مطار اللاذقية الى مطار دمشق مع ساعات طويلة من الانتظار, ريثما تأتي الطائرة التي ستحملهم الى قطر. السيدة سروجي تمنت لو أن ظروفاً أخرى حملتها على زيارة سوريا لتمضي وقتها في اللاذقية وأسواق دمشق, لكن الظرف الحالي منعها من إلقاء نظرة على الطريق, أو حتى التفكير بحمل بعض الأشياء الدمشقية التي تحبها من حلويات وأشياء أخرى, حالة الرعب والهلع التي عاشتها في لبنان, وما خلفه العدوان الإسرائيلي من دمار هائل, صور لا تستطيع نسيانها وتمنع أي شعور بالاطمئنان لديها, هي لا تفكر إلا بنجاة عائلتها. أما زوجها نبيل فقد عبر بكل نبل عن شكره للشعب السوري الذي شاهده يتظاهر متضامناً مع المقاومة في المدن السورية التي عبرها للوصول الى اللاذقية, وخلال أكثر من نصف ساعة قضياناها مع عائلة سروجي دار الحديث عن مدى التلاحم وقت الشدة, مما اثبت أن لبنان وسوريا وطن واحد. محنة لبنان كشفت عن عمق العلاقات الشعبية التي لم ينل منها عام من التوتر وصل للأسف حد القطيعة.