كانت العادة أن يأتي المبعوثون الدوليون بعد أسبوع أو عشرة أيام على الاكثر من اندلاع القتال في لبنان. وهذا هو اليوم الثالث عشر يمر ولم يتصل سوى مندوبون ثانويون من بلدان ثانوية. ثم راحت التصريحات الداعية الى فتح حوار بين الولايات المتحدة وسوريا بشأن لبنان والاراضي المحتلة تتوالى: وزير الخارجية وليد المعلم ونائبه فيصل المقداد ووزير الاعلام محسن بلال وسفير سوريا في الولايات المتحدة عماد مصطفى. واذا أراد المرء استعارة بعض التعابير التي تخصصت فيها السلطات السورية عند تناولها لخصومها الداخليين والخارجيين، للجأ الى مفردتين: <الجوقة> و<التوقيت>. بالنسبة الى الاولى، مبرر تماما ان يلاحظ القارئ بعض الاختلافات في المواقف السورية. وزير الخارجية يطرح مبادرة، نائبه يتحدث عن الحوار مع الادارة الاميركية، وزير الاعلام يهدد بالويل والثبور مرفقاً تهديده بكلمة <إذا> تطغى على ما قبلها وما بعدها. وينصرف السفير في واشنطن الى لوم الاميركيين لأنهم باتوا رهائن لدى اسرائيل تسيّرهم كما شاءت. والجوقة، كما هو معلوم، يجب أن تعزف ألحاناً متناغمة. مبادرة يقابلها تهديد. وحوار يرافقه لوم. فتغطى كل مساحات الصوت المطلوبة. أما <التوقيت>، فسؤاله أكثر تعقيداً. وقد اعتاد المسؤولون السوريون أن يطرحوا هذا السؤال فور حصول أي تحرك لا ينال رضاهم، مهما كان ضئيل الشأن من الاهمية. وآخر ما جرى في هذا السياق الحملة التي أطلقتها السلطات السورية على <إعلان دمشق بيروت إعلان بيروت دمشق> وأهالت على الموقعين اتهامات الخيانة والعمالة المعهودة لاختيارهم توقيتاً لنشره وصفته بالمشبوه تزامن مع صدور قرار في مجلس الامن الدولي يشجع سوريا <بشدة> على إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان (القرار 1680). يضاف الى ذلك عدد لا يحصى من المناسبات التي تساءل كتاب الافتتاحيات في الصحف الرسمية السورية وغيرهم من المتحدثين باسم السلطة، عن دواعي حصولها في يومها وساعتها. لذا، من باب أولى توجيه السؤال الى من ظهروا على شاشات وصفحات وسائل الاعلام ليتحدثوا عن استعداد سوريا للبحث في وقف إطلاق النار والبحث عن مخارج للأزمة القائمة، عن سر <التوقيت>. الجواب البسيط هو أن وقتا طويلا انقضى منذ الطلقة الاولى وقد بات على دمشق أن تجد لها دوراً في هذه المأساة، وفاء لتقليد راسخ أثبت نجاعته. وكان نائب الرئيس فاروق الشرع قد حمّل في اليوم الاول للعدوان، الاحتلال مسؤولية انفجار الوضع، ثم دخل القوم في سبات استمر قرابة العشرة أيام. وليس من باب الشماتة القول ان الرد الذي أعلنه مندوب الولايات المتحدة الى الامم المتحدة جون بولتون المشهور بصلفه وعنجهيته، كان مما يليق بإلحاح المسؤولين السوريين على أداء دور في مسرحية هم ممثلون هامشيون فيها. فسوريا، بحسب بولتون، تعرف ما الذي يتعين عليها فعله أي ان تضغط على حزب الله لوقف إطلاق النار والأفراج عن الأسيرين بلا مقابل . ندع جانباً الحقائق الجيوسياسية الكبرى التي فرضت نفسها على المنطقة منذ هجمات 11 ايلول ,2001 لنلاحظ ان دمشق تريد أن تدخل مستنقعاً آسناً لتقطف ورداً، وفق ما يفهم من تصريحات عماد مصطفى الذي نفى بشدة أن تكون حكومته تزوّد حزب الله بالاسلحة <لأننا في سوريا لا ننتج سلاحا> (!!). وإذا كانت حكومة السفير مصطفى على هذا القدر من الحياد و<نظافة الكف> من دعم المقاومة اللبنانية، فما الداعي الى إجراء محادثات معها في المقام الاول؟ الجواب على السؤال هذا موجود في كلام بولتون الذي كانت قد صاغته وزيرة الخارجية كوندليسا رايس بعبارات اخرى قبل أيام عندما تحدثت عن <انضمام سوريا الى الإجماع الدولي>: الباب الوحيد المفتوح امام سوريا للدخول الى الساحة اللبنانية يمر عبر المشاركة في ضرب حزب الله، سياسيا ودبلوماسيا في المرحلة الراهنة على غرار ما فعلت الدول الشقيقة التي سبقتها الى هذا <الشرف>. وما كان يصح في العامين 1993 و1996 لم يعد كذلك اليوم. ولم تعد دمشق بوابة العالم الى لبنان ولا تملك مفاتيح قرار المقاومة التي تصر على الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع سوريا شأنها شأن الاكثرية الساحقة من اللبنانيين. ولا يكتشف الاميركيون قارة سادسة عندما يتصرفون حيال سوريا على هذا النحو. فليس لدى دمشق ما يمكن عرضه في هذا البازار باستثناء المساهمة في حصار لبنان والقضاء على مقاومته، هذا اذا نحّينا جانبا مقابلات الوزراء وغيرهم من المسؤولين السوريين. السؤال الاوسع الذي يتعين على كل مهتم بالشأنين اللبناني والسوري هو عن الكيفية التي ترسم فيها السياسات في دمشق وعن الوسائل التي يعتقد المسؤولون السوريون انها كفيلة بتنفيذ سياساتهم بعيد رسمها على الورق. حتى الآن، لا تكفي سلسلة من المقابلات المتلعثمة للقول بوجود مثل هذه السياسة، ما يبيح الحديث عن انضمام الاداء السوري في الازمة الحالية الى مجموعة متزايدة من الاخفاقات.