عريب الرنتاوي

فجأة يرتفع الحس الإنساني عن أنظمة العرب وحكوماتهم ...فكلما اندلع نزاع أو تفجر صراع، تتسابق العواصم العربية لإرسال قوافل الإغاثة إلى الأهل والأشقاء المنكوبين في فلسطين ولبنان، ومن قبل في العراق والصومال والسودان، ولا ندري أين ستحط هذه القوافل برحالها في قادم الأيام.

الأمر حتى الآن، وبهذه الحدود، مرغوب ومطلوب...فدبلوماسية الإغاثة من شأنها شفاء النفوس وبلسمة الجروح، وأحيانا تنجح هذه الدبلوماسية في تخفيف احتقانات وتبديد مشاعر مختزنة والتقريب بين الناس، تماما كما يحصل الآن على السورية اللبنانية.

لكن أن تصبح الإغاثة بديلا عن السياسة بما هي مواقف وممارسات وخطوات وإجراءات، أن تصبح الإغاثة هي المبتدأ والخبر في السياسة، فتلكم والله مصيبة المصائب.

العرب الذين لم يعد لهم دورا مقررا ولا حضورا مميزا حتى في الملفات التي تتناول "لحمهم الحي"، استعاضوا عن السياسة و"الوقفات التاريخية" بقوافل الإغاثة...وهم حين تستصرخهم قوافلهم التي تتعرض للقصف الأمريكي – الإسرائيلي لا يحركون ساكنا، ويكتفون بالإصرار على ممارسة "دبلوماسية الإغاثة" التي أصبحت بالنسبة لهم "الخيار الاستراتيجي الوحيد"، بعد أن سقط خيارهم السلمي الوحيد، ونعاه أمينهم العام الوزير عمرو موسى.

الشعوب العربية ليست بحاجة لفتات الموائد، سيما عندما تأتي من دول تتكدس خزائنها بمليارات الدولارات الفائضة عن بنود الموازنة وموازين التجارة والمدفوعات...الشعوب العربية تبحث عمن يغيث "الدبلوماسيات العربية" التي تبدو اليوم بأمس الحاجة للإغاثة...الشعوب العربية ملّت من قوافل ومساعدات يراد بها تغطية العجز والتعمية عن التواطؤ و"إراحة الضمير".

من حق اللبنانيين والفلسطينيين أن يطالبوا بكل قرش من عائدات النفط، نجم عن ارتفاع أسعاره جراء "تبديد الوهم" و"الوعد الصادق"، فالدم الفلسطيني واللبناني الذي يراق في بيروت وغزة، له وظيفة سياسية أساسا، فشل العرب في إنجازها أو اغتنامها، واكتفوا بـ"قص الكوبونات" التي تزيد أثرياءهم ثراء وترفع أرصدتهم إلى مستويات فلكية.

بئس "الإنسانية" عندما تندرج في سياقات التسول و"تحميل الجمايل"، وسحقا لها عندما تصبح بديلا لمواقف العزة والشرف، أو عندما تهبط بالدولة العربية إلى مصاف "الكاريتاس" والمنظمات الطوعية غير الحكومية، مع الاحترام والإجلال لهذه المنظمات ودورها الإنساني المتميز.