تشكل الحرب التي تشنها إسرائيل اليوم على لبنان، حلقة جديدة من حرب إعادة السيطرة على الشرق الأوسط التي تدور رحاها منذ حرب العراق عام 1991. وكما سعى "حزب الله" من خلال خطف الجنديين إلى استعادة زمام المبادرة السياسية من قبل دمشق وطهران في هذا الصراع الطويل، تسعى الحرب الإسرائيلية الشاملة على لبنان بالمثل إلى استعادة الأنفاس، واستكمال الحرب الأميركية العراقية التي لم تنجح في حسم الأمور لصالح القوى الغربية، وتحقيق مشروع هيكلة المنطقة على قاعدة الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية بالدرجة الأولى. وهذا يعني أنه في الوقت الذي كان خطف الجنديين يمثل جزءا من "اللعبة" السياسية المقبولة حتى الآن، وهو ما طمأن "حزب الله" على محدودية المخاطر، أرادت واشنطن وتل-آبيب من حربهما الجديدة أن تغيرا بالضبط من قواعد اللعبة التي اعتقد السوريون، وحلفاؤهم في طهران ولبنان معاً، بسبب تغريز القوات الأميركية في العراق، أن في إمكانهم فرضها، وما تعنيه من تأكيد عجز المعسكر الغربي عن فرض نظام معاد لدمشق أو مستقل عنها في بيروت، وضمان استقرار النظام السوري، وفرض إيران حقها في الحصول على التقنية النووية التي تريد الولايات المتحدة أن تجعل منها تقنية محظورة على غير إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. من هنا لا يوجد أي سبب للاعتقاد بأن الحرب الراهنة مهيأة لوضع أوزارها قريباً، أو أن من الممكن أن تتوقف في محيط لبنان، أو تكتفي بتحجيم "حزب الله" أو القضاء عليه. إن هدفها الرئيسي هو بالضرورة سوريا التي تشكل حلقة الوصل، والحلقة الضعيفة أيضاً، في محور ثلاثي يجمع بين طهران ودمشق و"حزب الله". فضرب النظام السوري هو وحده الذي يهدم هذا المحور الجديد الذي تكون لغايات مختلفة، لكن في مواجهة عدو مشترك. وهذه الأهداف الاستراتيجية البعيدة للحرب هي التي تجعل من إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية أمراً بعيد الاحتمال، قبل أن تحقق المعارك الراهنة حسما يبدو لي أن إسرائيل، وبشكل خاص الولايات المتحدة، مستعدة اليوم أكثر من أي فترة أخرى لدفع ثمنه في سبيل انقاذ رهاناتها الكبيرة المهددة في العراق والشرق الأوسط بأكمله. وهذا يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنظران إلى هذه المعركة بوصفها معركة مصيرية. وهي ستكون للسبب ذاته، وبالضرورة، مصيريه أيضاً بالنسبة للأطراف الإقليمية المشاركة فيها، وفي مقدمتها المقاومة اللبنانية التي يشكل القضاء عليها حلقة أساسية في تحطيم محور دمشق- طهران، ومن ورائه تطويع النظام البعثي وحرمان إيران من الحصول على التقنية النووية المنشودة. ومن الواضح أن "حزب الله" يدفع اليوم ثمن تحالفه مع عواصم هذا المحور، ويشكل الهدف الاول في حرب شاملة تتجاوزه بكثير. ومن هنا لم يعد للحديث في صواب ما قام به "حزب الله"، من حيث التوقيت أو مشروعية استخدام المقاومة لأهداف السياسة الداخلية، قيمة كبيرة. فالمهم اليوم هو الحيلولة بكل الوسائل دون السماح للولايات المتحدة وإسرائيل بربح هذه الحرب، سياسياً إن كان ذلك غير ممكن عسكرياً، خاصة إذا استمرت المقاومة اللبنانية تخوض المعركة لوحدها. ولعل هذا ما أدركه الرأي العام العربي عندما نزل إلى شوارع المدن العربية ليعبر عن دعمه وتأييده لتلك المقاومة في وجه الخطة الإسرائيلية الأميركية. فقد أدرك الجمهور العربي بسرعة، أنه لا مجال هناك للاختيار. فالوقوف إلى جانب المقاومة وفضح الحرب الإجرامية الإسرائيلية الأميركية ودعم جميع الجهود الرامية إلى وقف العدوان، هو الموقف الوحيد الذي يضمن حرمان تل أبيب وواشنطن من تسجيل نصر جديد لا يمكن إلا أن يترجم إلى تراجع جديد في المواقع العربية. ومهما كانت الذريعة التي أطلقت شرارة هذه الحرب التي اتخذت من لبنان مسرحها اليوم، قبل أن تنتقل غداً الى مسارح أخرى، يظل المسؤول الرئيسي عما حصل ويحصل اليوم، وسيحصل في المستقبل، من كوارث على الشعوب والمجتمعات والبلدان، هو الوضع غير المقبول وغير المعقول الذي خلقه التوسع الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا معاً، أي رفض الإسرائيليين، والأميركيين من ورائهم، القبول بأي حل سياسي يعيد الحد الأدنى من الحقوق إلى الشعوب المنكوبة، ويخرج المنطقة من الطريق المسدود الذي أدخلها فيه منطق الغلبة العسكرية وكسر الإرادة وإنكار الحق والسيطرة بالقوة، كما تبرهن على ذلك الأوضاع في جميع الجبهات بالتساوي، الفلسطينية واللبنانية والسورية والعراقية والإيرانية. فجوهر الموضوع وأصل الخطأ هو هذه السياسة بالذات، أي أهدافها ووسائلها وتكاليفها المدمرة بالنسبة للشعب العربي عامة. ولا ينبع التأييد الساحق الذي تحظى به أعمال المقاومة اليوم من الاعتقاد بما يمكن أن تحققه هذه الأعمال من انتصارات، بقدر ما ينبع من إرادة التأكيد على رفض الخضوع والاستسلام لتلك السياسة الأميركية بالذات. ولذلك، لا ينبغي لنا أن نكف عن القول بأن القضاء على المقاومة اللبنانية أو تطويع النظامين السوري والإيراني لن يشكلا مخرجاً من الأزمة التاريخية التي نعيشها منذ عقود، والتي تسعى الحروب المدمرة الإسرائيلية والأميركية إلى تجنب مواجهتها. فلا يمكن إنهاء الصراع، مهما كانت نتائج الحرب الراهنة، مادامت فلسطين والجولان ومزارع شبعا محتلة، وسياسة الهيمنة والسيطرة ورفض الاعتراف بحق تقرير الشعوب العربية هي السياسة الوحيدة المنظورة من قبل العواصم الأميركية والإسرائيلية والأوروبية. فمن دون العودة إلى مبادئ السياسة الدولية، وإيجاد الحلول العادلة والمقبولة لمسائل الاستيطان والاحتلال والسيطرة الخارجية الاستعمارية أو شبه الاستعمارية، وإنهاء فكرة تغييب الشعوب عن حقوقها ومصالحها الوطنية... لن تكون نتيجة الاستخدام المفرط للعنف سوى تفجير عنف مقابل لا يقل عنه عماءً وتعصبا واستهتارا بالقيم والمبادئ الأخلاقية والانسانية. وليس هناك أي ضمانة أن لا يسفر القضاء على "حزب الله" عن ظهور حركات أكثر تشدداً، تماماً كما أسفرت هزيمة القوى القومية والوطنية في العقود الماضية عن نشوء الحركات الإسلامية الأكثر تطرفاً. إن الاستمرار في بث الدمار والرعب والموت في الشرق العربي يعكس إخفاق السياسات الأميركية والإسرائيلية وعجزها عن تحقيق أي إنجاز سياسي ونزعتها الدائمة إلى الهرب نحو الأمام والمراهنة على العنف والقتل. ولا يمكن لمثل هذا الهرب الذي يشكل بديلا للبحث عن حلول حقيقية وقانونية وعادلة للنزاعات والمشاكل القائمة، إلا أن يقود المنطقة برمتها إلى الانزلاق نحو البربرية. فبقدر ما تسعى واشنطن وإسرائيل إلى إعادة بناء النظام شبه الاستعماري المتهاوي في الشرق الأوسط على أنقاض الأمة العربية ومطامح العرب وآمالهم، إلى المغالاة في العنف والإفراط في استخدامه كما هو واضح الآن، فإن الدمار النابع منه لا يمكن أن يؤسس لأي خيار آخر في المجتمعات المدمرة سوى العنف والمقاومة. ومهما بدا الجمهور العربي ساكناً اليوم، ستأتي لحظة لا تعود فيها المقاومة بالنسبة للرأي العام العربي خياراً سياسيا بين خيارات، وإنما رد الفعل العفوي والطبيعي على إغلاق كل طرق التقدم والرفاهية والديمقراطية والاستقرار أمام الشعوب. إن القول بأن العنف الاستعماري هو المؤسس للعنف في المجتمعات الخاضعة، لم يكن أكثر صدقا في أي منطقة من العالم مما هو عليه في منطقتنا اليوم.