الغد

هي معركة .. ربما لكنها متفاوتة في عمقها دوليا، لأن الولايات المتحدة تعتبرها ولادة لشرق أوسط جديد، محاولة إقناعنا بأن الألم الذي نعيشه ليس ظلما، بل طاقة خصب. لكن الولايات المتحدة معتادة على هذا اللون في رؤية الأمور وفق ديمقراطية أحادية!! هذه الديمقراطية يمكن فهمها بالطبع وفق سلم مصالحها، ولكن ربما عليها أن تغير الخطاب حتى يصبح على الأقل يحمل ولو نوعا من التعقل، لأننا نشعر اليوم أننا أما إدارة تهوى الأزمات وليس الخروج منها، رغم أننا ندفع ثمن هذه الأزمات ضمن التاريخ المعاصر خاضت الولايات المتحدة جملة من الحروب لمناصرة الديمقراطية، داخل دول اشتهرت بحالة فساد "فاقعة" .. فمن كوريا إلى فيتنام وصولا إلى العراق كان العنوان العريض "حروب بالنيابة عن الفساد".

لكن الصورة المقابلة ظهرت في "إسرائيل" على وجه التحديد، حيث لم تقم الولايات المتحدة بخوض حرب بالمعنى التقليدي لبقائها، بل مارست جملة من المعارك السياسية الضخمة، سواء داخل أروقة الأمم المتحدة أو على صعيد الدبلوماسية بشكل عام. وما يميز العلاقة الأمريكية مع تل أبيب ليس فقط هذا الدفاع الطويل عنها سياسيا، وتوفير مجال عالمي لأمنها، بل أيضا القدرة على الفصل بين حروب الولايات المتحدة في المنطقة والعلاقة مع إسرائيل ... وبالطبع فإن الربط الاستراتيجي موجود، ولكن الحركة الآنية تسعى لخلق مفاصل جديدة تبعد "إسرائيل" عن تلك المعارك ..

هذا الأمر كسر تماما اليوم، حتى في إسرائيل هناك أحزاب تتحدث عن الخلط في الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وربما نشهد اليوم نموذجا يعتبر قسرا أن إسرائيل مندمجة في المنطقة وهو ما سيدفع إلى زيادة الضغط ليصبح الصراع متشابكا أكثر .. فإذا كان مشروع الشرق الأوسط الجديد ثم الكبير ثم .. قائم على مشاريع سياسية حتى ولو كانت ضد النسق الثقافي للمنطقة، فإنه اليوم يؤسس على نوع التناقض بين إسرائيل والمجتمعات العربية .. والمطلوب من هذا التناقض أن ينفجر إلى أقصاه لينتج حلولا على السياق الافتراضي للولايات المتحدة.

إسرائيل وجدت ضمن التكوين الدولي سواء في مرحلة السيطرة الأوروبية، او حتى في فترة الحرب الباردة، واليوم هي داخل الإستراتيجية الأمريكية في حروبها الاستباقية .. وإذا كنا اليوم نعرف سلفا استحالة قيام أي دولة عربية بمهام وظيفية مشابهة لما قامت وتقوم به إسرائيل كي تبقى ضمن التكوبن الدولي، فإننا على الأقل نعرف سلفا أن الولايات المتحدة وأوروبا بدأت ترسم اليوم نماذج الشرق الأوسط على تصور العنف الذي خلقته إسرائيل منذ وجودها.

إحدى التفسيرات التي تتحدث عن سر العلاقة ما بين إسرائيل و "الغرب" تلخص الأمر بأن أوروبا تنظر إلى هذا "الكيان" على انه وجود للحداثة في منطقة لم تستطع أوروبا أن تخترقها بآلياتها .. ربما يكون هذا التفسير صحيحا أو خطأ .. لكنه على الأقل لا يظهر بوضوح إلا إذا فهمنا الحداثة على السياق الكلاسيكي بأنها مولدة حروب، وأردنا استعادة الحروب الاستعمارية أي العودة قرنين إلى الوراء.