يبدو استنادا الى قريبين من اجواء "حزب الله" واجواء الجمهورية الاسلامية ان الحزب منزعج من تصويره اداة لتنفيذ الاستراتيجيا الايرانية والاستراتيجيا السورية او الاستراتيجيا المشتركة لدمشق وطهران وخصوصا بعدما بلغ تحالفهما الحدود القصوى نظريا، علما ان بلوغه حدودا كهذه عمليا لا بد ان ينتظر توسيع الحرب الدائرة على لبنان بحيث تشمل اما سوريا او ايران او الاثنتين معا. ومع اننا لا نتمنى ذلك لاسباب متنوعة وان المعطيات المتوافرة والمعلومات الواردة من العواصم الفاعلة في العالم تستبعد حتى الآن على الاقل اي اشتباك عسكري او اي حرب مع ايران واي توسع للحرب الحالية في اتجاه سوريا الا اذا قررت الاخيرة خوضها او اذا ارتكب احد ما فيها مدنيا كان او عسكريا خطأ وان غير مقصود. وقد عبر عن الانزعاج المذكور الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في اطلالته التلفزيونية قبل الاخيرة. ويشارك هؤلاء القريبون الحزب المذكور في انزعاجه لاعتقادهم انه غير صحيـــــح او بالأحرى غيــــــر دقيق ولاقتناعهم بان الولايات المتحدة واسرائيـــل تندفـــعان في اتهــــام المقاوميـــن الاسلاميين وحزبــــهم بالتبعية لايران وسوريــــا لان مصلحتهما تقتضي بناء موقـــــف دولي وعربي موحد ضد "حزب الله" وحلفائه الاقليمييـــن، وذلك تحقق. وتقتضي ايضا ابقاء هذا الموقــــف متماسكا بحيـــث يسهل التوصـــــل الى تسويات يجري الحديث عنها حاليــــا لوقف الحرب ولـــــن تكون في النهاية في مصلحة "المقاومةـــ الاسلامية" ومن يدعمها في الداخل اللبناني ولا في مصلحة حلفائها الاستراتيجيين وفي مقدمهم ايران وسوريا.

إلامَ يستند القريبون المذكورون اعلاه في استبعادهم "تبعية" "حزب الله" لهاتين الدولتين او بلغة اقل ايلاما واذى في استبعادهم الدور الاساسي بل الاول للدولتين في مواقف الحزب وتصرفاته وممارساته التي كان آخرها اسر الجنديين الاسرائيليين في 12 تموز الجاري الامر الذي تسبب بفتح "ابواب جهنم" ليس عليه فقط بل على لبنان كله؟

يستندون بحسب قولهم الى الآتي:

- لم يبدُ قبل اندلاع الحرب الاخيرة على لبنان ان الجمهورية الاسلامية الايرانية "محشورة" على نحو يفرض عليها اللجوء الى حلفائها الاقليميين سواء كانوا دولا او احزابا للتخفيف عنها. صحيح انها اصطدمت بالمجتمع الدولي نتيجة رفضها اعطاء جواب لهذا المجتمع عن "رزمة الحوافز" المتعلقة بمشكلتها النووية معه في الموعد الذي حدده. لكنها لم تقل انها لن تعطي جوابا. وهي حددت له موعدا في اواخر شهر آب المقبل. وقد اكدت ذلك في اليومين الماضيين. طبعا قرر المجتمع الدولي العودة الى مجلس الامن لمناقشة الرفض الايراني واتخاذ الاجراءات المناسبة. لكن الجميع كانوا يعلمون ان روسيا والصين رغم موافقتهما على العودة الى المجلس لن تقبلا فرض عقوبات دولية على ايران، اولا بسبب مصالحهما. وثانيا، لاقتناعهما بان جوابا ايرانيا ما سيعطى في آب.

- لم تبد سوريا قبل اندلاع الحرب الاخيرة على لبنان محشورة بدورها الى درجة مطالبة حليفها اللبناني القوي الذي لها عليه الكثير، سواء برعايته وحمايته في الداخل اللبناني ومنه او بمساعدته على تحقيق انجاز تحرير الارض من الاحتلال الاسرائيلي، بالتحرك لتخفيف الضغط عنها. فهي تعرف رغم التناقض الى حد العداء بينها وبين اميركا واسرائيل ان الاخيرة لم تتخذ قــــرارا بزعزعة النظـــــام الحاكم فيها خوفا من البديل الغامض والمجهول والخطير. وتعرف ايضا رغم تفاقم نفور واشنطن منها وضعف تحبيذها التقاء المصالح القائم بين سوريا واسرائيل ان اميركا لا تزال على موقفها الذي هو تغيير سلوك النظام وليس النظام نفسه.

- ان علاقة "حزب الله" مع الجمهورية الاسلامية الايرانية ليست علاقة تابع بمتبوع. فالحلف بينهما راسخ واستراتيجي الى آخر ما هنالك من اوصاف له. لكن قيادة الحزب، ولاسيما رأس الهرم فيها السيد حسن نصرالله، كان يناقش القيادة الايرانية في كل امر له علاقة بلبنان وكان يقدم تصوره او رؤيته للتطورات في لبنان والتي كانت احيانا مخالفة لتصور القيادة الايرانية او رؤيتها. وفي النهاية كان التفاهم يتم احياناً عدة على تصوره هو لانه الموجود على الارض وتاليا العارف بدقائق الامور وتفاصيلها. كما ان علاقة "حزب الله" بسوريا لم تكن بدورها علاقة تابع بمتبوع. صحيح ان سوريا كانت تضغط احيانا عليه للقيام بامور. وصحيح ايضا انه كان يقدم اليها بعض "الخدمات" لتوافقها مع اقتناعاته. لكن الصحيح ايضا انه لم يكن يرضخ لضغطها دائما او غالب الاحيان وكان يتخذ مواقف لا ترضى عنها.

لماذا اذاً نفذ "حزب الله" عملية خطف الجنديين الاسرائيليين في 12 تموز الجاري التي اطلقت الحرب المدمرة الاسرائيلية بل الدولية – الاقليمية على لبنان او التي اعطت الذين كانوا يعدون لها منذ زمن بعيد بحسب قول "حزب الله"فرصة القيام بها ؟ لسببين يرجح القريبون انفسهم من اجواء "حزب الله" والاجواء الايرانية. الاول التزام "حزب الله" من منطلق الايديولوجيا الاسلامية التي يؤمن بها القضية الفلسطينية. وهو هذا الالتزام الذي دفعه الى "التصعيد" عبر خطف الجنديين وذلك بغية تخفيف الضغط العسكري الكبير الذي كانت اسرائيل تمارسه على الفلسطينيين وخصوصا في غزة، ولا تزال تمارسه رغم انهماكها بلبنان. اما الثاني فهو تلافي تحول الحساسيات بل التناقضات المذهبية في لبنان فتنة لا تبقي ولا تذر وذلك بالاشتباك مع اسرائيل التي يفترض ان اللبنانيين كلهم مقتنعون بانها عدو تاريخي لهم.

هل الكلام المفصل اعلاه مقنع؟

الجواب الجازم عن هذا السؤال اي بنعم او لا ليس ممكنا لاعتبارات كثيرة اهمها غياب المعطيات والمعلومات على توافر الكثير منها. لكن يمكن الجواب عنه بتساؤلات هدفها الاستيضاح وليس قطعا الاحراج وسوء النية. التساؤل الاول: هل تسمح العلاقة الايديولوجية اي الدينية – السياسية باعتبار ان لا فصل بين الدين والدنيا في الاسلام بين "حزب الله" ومرجعيته الشرعية الايرانية للحزب بالاستقلال في التصرف والتقرير في الموضوع اللبناني وان كان ذلك على حساب ايران ومصالحها ومصالح نظامها؟ والتساؤل الثاني: الم يساهم "حزب الله" في توفير الغطاء القوي لحلفاء سوريا بعد "انهزامهم" الناجم عن "انهزامها" في لبنان الامر الذي اعادها لاعبا وان غير حاسم على الاقل حتى الآن في لبنان. وألم يؤدِّ ذلك الى وتعطيل التغيير الذي كان ينتظره اللبنانيون وتعطيل قيام الدولة التي وحدها توفر الضمانات لكل اللبنانيين اي ضمانات العيش الكريم والحر والدور...؟ والسؤال الثالث: الم يعرف "حزب الله" ان مسؤوليته الوطنية اللبنانية توازي، بل يجب ان تفوق اي التزام آخر وان ايديولوجيا وان هذه المسؤولية تفرض عليه ليس احكام الربط بين لبنان وقضية فلسطين بل ازمة الشرق الاوسط لانه دفع ثمنها مرات عدة في العقود الماضية ولان ميزان القوى الراهن اقليميا ودوليا ليس في مصلحة الحل العادل والشامل ولان اي تصعيد بغية الحل سيوصل الى حل كاريكاتوري وظالم لقضية مزمنــــة ومحقة؟ والسؤال الرابع: الا يعرف "حزب الله" انه لو بـــــذل الجهد الكافي مع الاطراف الاخريــــن منذ انسحاب سوريا من لبنان في 26 نيســــان من العــــام الماضي وخصوصا منذ بدء الحوار الوطني قبل اشهر لكانوا توصلوا الى حلول تنفس الاحتقانات الطائفية والمذهبية وتفتح الباب امام اعادة بناء الوطن الذي يحلم به ابناؤه؟ والسؤال الخامس: هل لا يزال "حزب الله" يقدم "خدمات" الى سوريا او هل لا يزال مستعدا لتقديم خدمات كهذه؟

في النهاية تحدث سيد المقاومة في آخر اطلالة تلفزيونية له عن حل يحفظ الكرامة. وهذا امر يريده اللبنانيون كلهم. والكرامة هنا هي كرامة المقاومين الذين حرروا الارض قبل ست سنوات بالدم. وهي ايضاً كرامة الوطن السيد المستقل الحر الديموقراطي. ولا تناقض بين الكرامتين.