الموقف الاسرائيلي من الحلول السياسية المطروحة لما بعد الحرب التي تخوضها اسرائيل ضد "حزب الله" والشعب اللبناني يمكن ان يتلخص بعبارة واحدة كررها مختلف المسؤولين الاسرائيليين منذ بدء المعارك هي: "التأكد من عدم عودة الوضع الى ما كان عليه قبل 12 تموز". أي عدم قبول اسرائيل بعد اليوم بوجود مقاتلي الحزب على طول حدودها، والتخلص نهائياً من خطر شبكة الصواريخ الايرانية. أما فيما يتعلق بالشق السياسي للأزمة بدءاً من الجهة التي ستقوم بتجريد "حزب الله" من سلاحه الى قضية قدرة الجيش اللبناني على نشر قواته على طول الحدود وانتهاء بما ستسفر عنه الحرب الدائرة اليوم من انعكاسات على الحياة السياسية الداخلية اللبنانية وعلى موازين القوى فلا يبدو ان هناك مشروعاً اسرائيلياً واضحاً في هذا الصدد مثلما كان قائماً خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 عندما أعلنت إسرائيل ان هدفها "اقامة نظام جديد "في لبنان. والراهن ان اسرائيل أوكلت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مسلحاً بقراراته تولي مسألة تسوية المترتبات السياسية الناتجة عن الحرب على لبنان.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل معنى ذلك ان هناك تطابقاً في وجهات النظر الاسرائيلية والأميركية للتسويات السياسية؟ والى أي حد تدعم اسرائيل بصورة مطلقة التوجهات الأميركية في ادارة النزاع مع سوريا وايران اللاعبَين الرئيسيين اللذين يخوض مقاتلو "حزب الله" المواجهة الضارية ضد اسرائيل بدلاً منهما؟ النقطة الأولى التي يمكن التوقف عندها ان اسرائيل منذ الفشل الذريع الذي مني به تدخلها في تغيير الوضع السياسي في لبنان خلال الثمانينات، لم تعد الى مشاريعها السابقة، وشكل انهيار جيش لبنان الجنوبي وفرار عناصره الى اسرائيل بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب عام 2000 نهاية حقبة من التورط الاسرائيلي السياسي في لبنان. وهي اليوم لا تبدو في وارد الدخول في رهانات جديدة على تغييرات سياسية في لبنان. ظهر هذا الموقف الاسرائيلي بوضوح العام الفائت بعد اغتيال رفيق الحريري والتحركات الشعبية التي أدت الى انسحاب القوات السورية من هناك. يومها تخوف أكثر من خبير اسرائيلي من ان يؤدي ذلك الى عودة الفوضى الى لبنان لاسيما ان سوريا كانت طوال السنوات الماضية تلعب دور الكابح لـ"حزب الله" في مواجهاته مع اسرائيل. كما وقفت اسرائيل موقفاً معارضاً واضحاً للتوجهات الأميركية الرامية الى زعزعة النظام الحالي في سوريا مخافة من تحريك الحدود الاسرائيلية-السورية الهادئة منذ حرب تشرين عام 1973، بالاضافة الى انعكاسات حال عدم الاستقرار في سوريا على اسرائيل.

وفي هذا السياق ورغم كل الاتهامات الاسرائيلية للسوريين بدعم الحزب وتسليحه وايواء قيادات "حماس" في دمشق، لايتوقف المسؤولون العسكريون عن القول انهم لايريدون التورط في حرب مع سوريا الآن. رغم ذلك يمكن الاشارة الى عدم وجود تطابق كامل بين الاسرائيليين والأميركيين في كيفية التعامل مع سوريا. ففي الوقت الذي يصر فيه الأميركيون على تجاهلها بصورة مطلقة قائلين انها تدرك ما عليها ان تفعله، ويجب ان تقوم به من دون مقابل ثمة في اسرائيل من يعتقد ان أي حديث عن حل شامل ونهائي يضع حداً للحرب في لبنان ليس ممكناً من دون اشراك سوريا فيه. هذا هو رأي رئيس كتلة ميريتس اليسارية يوسي بيلين الذي كان قبل انشقاقه عن حزب العمل اليد اليمنى لشمعون بيريس نائب رئيس الحكومة الحالية.

أما في ما يتعلق بايران، فلا لبس في ان اسرائيل تخوض في مواجهتها مع "حزب الله" مواجهة مزدوجة؛ فهي من جهة تحارب كما تقول دفاعاً عن وجودها الذي منذ انتخاب الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد لم يترك مناسبة من دون ان يصرح انه يجب ازالة اسرائيل من الوجود، وهي من ناحية أخرى تخوض معركة المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الذي يسعى الى منع ايران من امتلاك السلاح النووي. من هنا فانتصارها العسكري على الحزب تطلبه اليوم قبل أي شيء آخر لأنه في نظرها هو اول فوز استراتيجي على التهديد الايراني لإسرائيل.