عام ،2004 وبالتحديد يوم 21 سبتمبر/ أيلول أطلق بوش تعبير “الشرق الأوسط الكبير” في خطابه أمام الأمم المتحدة على هدف الجهد الإقليمي الأمريكي “لنشر الحرية والديمقراطية” و”مكافحة الإرهاب” بنفس واحد، معتبرا أفغانستان والعراق نموذجين سوف تقتدي دول المنطقة بهما. ويوم 22 يوليو/ تموز 2006 الجاري رفضت وزيرة الخارجية الأمريكية وقف إطلاق النار، مؤكدة بذلك أن “إسرائيل” تشن عمليا حربا أمريكية على لبنان، وأن الولايات المتحدة تريدها أن تستمر حتى تحقق أهدافها السياسية. صاحب الأهداف المحددة للحرب هو أيضا صاحب الحرب، وهو أيضا الذي يقرر أن الوقت لم يحن لوقف إطلاق النار. ثم يؤكد مثل طبيب يطمئن مريضا أن عليه تحمل هذه الآلام لأنها مخاض ولادة، إنها آلام ولادة شرق أوسط جديد. تعترف أمريكا إذاً بأنها حربها وليست حرب إيران، وفي مرحلة الإنزالات البرية في لبنان بدأ حتى بعض الوزراء “الإسرائيليين” يتساءلون عما إذا كانت “إسرائيل” في الواقع تنفذ حرباً أمريكية.

وقبل أن ننضم إلى قطيع المحللين والمعلقين الذين يحولون كل جملة من مسؤول أمريكي إلى نظرية تبرر تحليلها، وتبرر بالتالي ثرثرتهم، علينا أن نستدرك أن رايس بحثت عما يبرر جريمة رفض وقف إطلاق النار فاستلت من جعبتها جملة ما وهي لا تقصد إلا أن الشرق الأوسط سوف يكون “أفضل” بعد هذه الحرب الوحشية، وإلا كانت الحرب مجرد فعل سادي هدفه الخراب، الخراب من أجل الخراب، على وزن الفن من أجل الفن.

لا وجود لنظرية جديدة. ومهما فحصنا ومحّصنا لن نجد في ما يجري ما يمكن إطلاق هذه التسمية عليه بما يتعدى “الشرق الأوسط الجديد” “الإسرائيلي” القديم “الشمعون بيرسي” الذي حلم في حقبة اتفاقيات أوسلو بعرب “معتدلين” يطّبعون العلاقة مع “إسرائيل” إلى درجة عدم الحرج من التعاون معها ضد عرب آخرين “متطرفين”.

هنالك مزاج جديد في إدارة المحافظين الجدد الأمريكية سبق أن كتبنا عنه، ويتلخص ب:

1- تعثر نظرية تصدير الديمقراطية على بوارج. ويتلخص تعثرها بكارثة يعيشها العراق ورعب الشعوب العربية من هذا النموذج.

2- تحول “الحرب على الإرهاب” إلى ما يشبه المعركة ضد الشر السوفييتي لناحية تبريرها التحالف مع دول غير ديمقراطية ولكن “معتدلة”، أي تقبل كل إملاء أمريكي، طالما يخدم التحالف معها مصالح أمريكا. وهو أمر حسب المحافظون الجدد أنهم تجاوزوه بعد نهاية نظام القطبين، ونظَّروا لذلك.

3- ما تجاوزه المحافظون الجدد فعلا هو التحرج من التعاون المباشر مع “إسرائيل” في تنفيذ مهام ضد عرب، من نوع تقويض نظام سياسي عربي وبناء آخر. ففي الوقت الذي طلبت فيه إدارة بوش الأب من “إسرائيل” الصمت والاستكانة عندما ضربت مدنها بصواريخ “سكود”، وأن تترك الأمر للتحالف الأمريكي لأن تدخلها يفسد الطبخة، تطلب الولايات المتحدة في نهاية عصر بوش الابن بعدما تعثرت مشاريعها في لبنان من “إسرائيل” أن تبدأ هي الحرب ضد المحور السوري الإيراني المتحالف مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية. وهي تغطيها دولياً وتمنع قرارا بوقف إطلاق النار، بل تتعدى ذلك إلى عنونة الحملة “الإسرائيلية” الوحشية على لبنان بتنفيذ قرار أممي هو قرار ،1559 كما عنونت هي حملتها على أفغانستان.

4- إن هذا كله أصبح ممكنا بعدما ضاق هامش مناورة الأنظمة العربية بعد الحرب على العراق، بحيث لم يعد يسمح لها بتبني خطاب مخالف أو مناقض لممارستها الفعلية، أي خطاب راديكالي معاد ل “إسرائيل” ومؤيد للمقاومة في مقابل ممارسة حقيقية تتوسل التسوية “الأمريكية” من أي نوع. وبعدما باتت الأنظمة مضطرة لمقايضة الموقف العلني من القضايا القومية مقابل الرضا الأمريكي، أو التغاضي الأمريكي عن الشأن الداخلي وعدم تنغيص حياة الأنظمة بحملات متتالية حول وضع حقوق الإنسان فيها، واصطناع شعبية إعلامية أمريكية لمعارض بعد آخر.

ما بين “الشرق الأوسط الكبير” والعودة غير المظفرة والمضرجة بدماء العراق إلى “الشرق الأوسط الجديد”، تتداعى مدن العراق ولبنان وتتناثر على جنبات شوارعها أشلاء الضحايا وصراخ الثكالى وبكاء الأطفال. إنه مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد، تقول بهدوء وبرود السيدة غير اللطيفة التي ينبعث من كلامها البارد بشكل مرضي، والهادئ بشكل هستيري، دوي انفجار القنابل العنقودية والذكية والغبية يتبعها طنين الآذان، وذهول الأحياء الذين انخلعت قلوبهم، وصمت الأموات تحت الأنقاض، دكتورة القصف والتهجير، وزيرة الموت والدمار، مبعوثة الخراب والعويل تتكلم بوجه خال من التعابير وشفاه بالكاد تتحرك.

والحقيقة أن المقصود ليس شرق أوسط جديداً ولا قديماً، بل مغامرة عسكرية أمريكية “إسرائيلية” جديدة تهدف إلى ضرب المقاومة كقوة خارجية وكقوة داخلية، كتيار إقليمي، وكعقبة أمام الهيمنة الأمريكية الكاملة على لبنان وتحويل سفارة أمريكا إلى مندوب سام جديد على لبنان. لقد تبلور بشكل غير متوقع تيار سياسي واجتماعي لبناني يعيق جديا هذا التطور المرغوب وبشكل محبط لأمريكا وحلفائها. ويزداد الإحباط مع خبر العراق اليومي الذي بات يبث، فقط بعدما يتجاوز الثلاثين قتيلاً وكخبر ثالث في المرحلة الحالية.

وتتوالى الزيارات الدولية إلى لبنان، والحقيقة أن الزيارات الأوروبية التي سبقت العربية طبعاً، هي تعويض عن عدم فعل شيء. ولذلك توحي زيارة المسؤول الأوروبي بفعل شيء ما يتجاوز تنفيذ أوامر الولايات المتحدة. وقد حلَّ بعض السياسيين الأوروبيين لالتقاط صور انتخابية له وهو يحاول تأمين طريق خروج مواطنيه من لبنان، وبعضهم جاء يتعاطف مع لبنان ضد المقاومة أولا وضد القصف “الإسرائيلي” ثانيا. فالأول بنظرهم هو السبب والثاني هو النتيجة.

وقد بات السلوك الأوروبي بشأن العرب محبطا إلى درجة أننا بتنا نتذكر ما قاله بعض منظري اليسار الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية إن هيروشيما و”الهولوكوست” وال “ارخبيل جولاك” الستاليني وإبادة الهنود الحمر هي الوجوه الأخرى للحضارة التي أنجبت التنوير. ونحن نرى حالياً تجسداً لها في فعلها الدبلوماسي الحالي بتعبيراته المنتقاة بعناية للتهرب من أي كلام ذي معنى، وتصريحاته المتحفظة والمعسولة كوجه آخر لتدمير لبنان بطائراتهم. ونضيف أن العنصرية التي تتبنى الآراء المسبقة بشأن المسلمين تزيد على نظريات اليسار أسباباً للإحباط. فإذا قالت “إسرائيل” إن حزب الله يضرب المدنيين ويهدد مدنها تكرره الدبلوماسية الغربية كحجة للحرب. ولا ينفع حزب الله أنه امتنع طيلة تاريخه القريب عن استهداف المدنيين حتى كرد على استهداف “إسرائيل” لهم في لبنان. ولا ينفع حماس أنها امتنعت عن تنفيذ عمليات استشهادية ضد المدنيين في العام الأخير. ولا ينفعهما أنهما يختلفان في كل شيء عن تنظيم مثل “القاعدة”، فلا يلبث أن يرمى الجميع في سلة إرهابية واحدة أثناء التحريض أو في تصريح دبلوماسي أوروبي بارد وهادئ ورابط الجأش، يرافق ذلك اجترار إعلامي لأكاذيب “إسرائيلية” تكرر مثل “الشبلونات” من دون أن يدري الصحافي الذي يغطي الحدث مباشرة من بيروت، والأنقاض خلفيته وديكوره، أنه في الواقع يبرر الجريمة “الإسرائيلية” التي سبق أن استفظعها بحجة عدم التناسب مع حجم الجرم: أكاذيب من نوع أن “إسرائيل” لا تستهدف المدنيين وإنما تقتلهم بطريق الخطأ، وأن حزب الله يستهدف المدنيين، في حين أن الأمر معكوس تماما. ف “إسرائيل” تستهدف بالقتل والتهجير طائفة بأكملها لأنها تعتقد أنها تشكل قاعدة اجتماعية لحزب الله، وتستهدف بالترويع والتخويف والتخريب طوائف أخرى تريد أن تبعدها عنها. “إسرائيل” تستهدف المدنيين بالإرهاب الدموي ولأهداف سياسية محددة سلفاً.

ولذلك، وبسبب هذا الموقف الثقافي العنصري، يجمع النشاط الغربي الحالي في المنطقة بدبلوماسييه وصحافييه على أنه يجب تدمير حزب الله، وأن المشكلة أن “إسرائيل” تفعل ذلك من خلال هدم لبنان، وأن “الجراحة الإسرائيلية” لاستئصال هذا “السرطان” قد تقتل المريض، ألا وهو لبنان.

يجب أن تعد فورا قائمة بالأكاذيب “الشبلونية” وأن توزع على كافة الصحافيين الأجانب العاملين حاليا في لبنان وفلسطين.

وتحاول الزيارات المتكررة أن تخلق إجماعاً دولياً عربياً ضد المقاومة بحيث تتجه الشروط السياسية لإيقاف القتال إلى “تخليص لبنان” منها. ولا بأس في هذه الأثناء من أن يساهم الغرب في هذه المساعي لضرب حصار إقليمي أيضا على سوريا إذا لم تتعاون، وعلى إيران. والدولتان الأخيرتان غير مدعوتين لمؤتمر دولي يعقد، بالتشاور مع قوى لبنانية، في روما حول لبنان، وذلك ليس لأنه لا شأن لهما بلبنان، بل لأن هدف النشاط الدولي المحموم لايزال حتى اللحظة استمرارا للحرب الأمريكية “الإسرائيلية” بوسائل أخرى. فنتائج هذه الحرب، مثل أي حرب، تقطف سياسياً.

وتجري محاولة مفضوحة لا أساس لها ولا تعززها أمريكا بأي دوافع لكي تتخلى سوريا عن تحالفها مع إيران وتغيير مواقفها من أجل رضا أمريكي نظري موعود، في حين أن هذه المواقف هي أصلا سبب عدم الرضا الأمريكي، فلماذا تغير سوريا مواقفها فجأة، في حين أن الهدف واضح هو الاستفراد بها في ما بعد؟ المشكلة في مواجهة ما يجري على المستوى الدبلوماسي تكمن في خطاب سياسي إيراني أقل نضوجاً من خطاب حزب الله بشأن “إسرائيل”، وأقل دراية بها، وتقييمات أقل واقعية من تقييمات الحزب بشأن قدراته. هذا إضافة إلى أن مجرد الإدلاء الإيراني بتصريحات حول لبنان يؤكد ادعاءات ويثير مخاوف من أن سوريا أرادت رهن استقرار لبنان بغرض تحرير الجولان، وهذا لم يكن صحيحاً في يوم من الأيام، في حين أن إيران سوف تأخذه رهينة تحرير كل فلسطين. ولكن رغم عدم صحتها نحن ندرك كم كان سهلا نشر هذه المخاوف واستخدامها أداة سياسية للتعبئة ضد نهج المقاومة داخل لبنان.

كما تهدف الزيارات المتكررة إلى احتضان الحكومة اللبنانية. و”من الحب ما قتل”. فالاحتضان هو عبارة عن منع الحكومة اللبنانية من توسيع هامش مناورتها لتجنب فتنة أو قطف نتائج عدوان “إسرائيلي”. وللاحتضان والمديح هدف، هو في الواقع الأخذ بيد الحكومة لكي تتوصل إلى تسوية مع أمريكا حول وقف إطلاق النار تثبت فيه أنها ناضجة لتسلم زمام الأمور. وبدلاً من تحول السلطة الفلسطينية إلى دولة ذات سيادة يجري تحويل الحكومة اللبنانية ذات السيادة في علاقتها مع أمريكا إلى ما يشبه السلطة الفلسطينية.

وتشمل الرزمة برأينا إعادة ترسيم الحدود في شبعا لسحب البساط من تحت رجلي حزب الله وحججه التي طرحت على الطاولة. أما حجته الرئيسية، المتعلقة باستقلال لبنان، فسوف يؤكدها هذا السلوك الذي يعني فقدان لبنان استقلاله في العلاقة مع القناصل الجدد.

كما تطرح أفكار لجلب قوات دولية أطلسية مثلاً، يعرف الجميع أن المقاومة سوف تتعامل معها كقوة احتلال.

ولا بأس بالنسبة لأمريكا أن تتحول هذه الرزمة إلى فتنة داخلية، أو بلغة أخرى إلى “فوضى بناءة أو خلاقة”. والأخيرة كما هو معلوم تعبير من السيدة ذاتها سبق همسها عن “الشرق الأوسط الجديد”، وقد تناوله أيضا المحللون إياهم بإسهاب.

إطلاق سراح الجنديين يكاد ينسى فهو ليس الهدف الأول مرتبة كما أكدنا. بل هو ظاهرة مرافقة للحل الشامل، الذي لا يشمل قضايا لبنان ولا القضية الفلسطينية، ولا الأراضي السورية المحتلة، بل التخلص من المقاومة فقط، في الطريق إلى ضرب شرعية دول وأنظمة قائمة. ومن بعد ذلك فليأتِ الطوفان الخلاق أو الفوضى أو الشرق الأوسط الجديد، أو سمها ما شئت، فهذا لا يهم البراغماتية والعقلانية المنشغلة حاليا بعملية التدمير.