شعر المسيحيون اللبنانيون، ولا سيما منهم الموارنة، دائماً انهم أمة وتصرفوا على هذا الاساس. وعندما حملوا السلاح عام 1975 كانوا عمليا في اعماقهم يدافعون عن هذه الامة التي ازداد الخطر عليها بسبب اختلال الميزان الديموغرافي في البلاد لمصلحة المسلمين. وكانوا رسميا يدافعون عن لبنان الكيان الذي ظنوا انه اسس لطمأنتهم ولاشعارهم بانهم ينتمون الى وطن يستطيعون ان يمارسوا فيه مواطنية كاملة سياسية واجتماعية واقتصادية وسيادية فلا يتحولون اقلية تعيش في ذمة المسلمين وبحريات منقوصة وعرضة للقمع او الاضطهاد لدى حصول اي تطور سلبي سياسي او عسكري في المنطقة. لكنهم عندما انتهت مرحلة الحرب الاهلية وحروب القوى الاقليمية والدولية على ساحة لبنان و"شعوبه" عام 1990 بخسارة حقيقية لهم، وعندما انتهت حقبة الوجود السوري بل الهيمنة السورية المباشرة على لبنان عام 2005 بخيبة امل كبيرة، بدأوا يشعرون ان ضمانهم الحقيقي في لبنان هو الدولة وخصوصا بعدما كانوا توصلوا عام 1989 الى اتفاق الطائف الذي انهى الحروب العسكرية ووضع الاسس الضرورية لقيام دولة المؤسسات على ثغره الكثيرة بل سوء تطبيقه والذي لم يكن عفويا على الاطلاق. طبعا لم يعنِ ذلك في حينه، ولا يعني اليوم، ان شعور الامة الذي عاش المسيحيون معه عقودا طويلة انتهى ليحل مكانه شعور المواطنية والانتماء فقط الى لبنان. لكنه يعني ان المسيحيين صاروا اكثر انفتاحا على فرصة تجربة اقامة الدولة والاشتراك فيها واعطائها الاولوية على كل ما عداها. اما شعور "الامة" المتكون عندهم من زمان فلا يزول بجرة قلم. بل يلزمه وقت يتأكدون خلاله ان الدولة قامت وان الشعوب اللبنانية كلها صارت مقتنعة بها وان الممارسة السياسية وغير السياسية في البلاد صار معيارها او مقياسها المصلحة العامة لا الخاصة على تنوعها. هذا عن المسيحيين فماذا عن المسلمين؟ المسلمون شعروا دائما في لبنان قبل الحرب بانتماءين غير متناقضين. الاول، هو الانتماء الى الدين الاسلامي. والثاني، هو الانتماء الى العروبة. والتداخل القائم بين الاثنين معروف وعدم قدرة الزعماء التاريخيين في العالم العربي، على قلتهم، على ازالة الالتباس الذي تسبب به التداخل المذكور او عدم رغبتهم في ذلك انعكسا سلبا على الدول العربية وخصوصا المتعددة منها الانتماء الطائفي. وهذا الانتماء المزدوج هو الذي دفع مسلمي لبنان عمليا منذ عام 1969 الى التضامن مع الثورة الفلسطينية التي قرر قادتها في حينه فــرط لبــنان واستعمــاله قــاعــدة امــامــيــة ثابتة لمواجهة اسرائيل، ولالحاق الهزيمة بها او على الاقل لاجبارها على قبول حلول "عادلة". وهو الذي دفعهم الى حمل السلاح عام 1975 مع الفلسطينيين ضد المسيحيين اللبنانيين. ولكن كان هناك سبب آخر لموقفهم هو نقمتهم على انفراد المسيحيين بالحكم في لبنان ورغبتهم في تغيير المعادلة اللبنانية او تعديلها. الا أن وحدة الموقف الاسلامي هذا بدأت بالتصدع منذ الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982 وتالياً خروج مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان ونشوء المقاومة اللبنانية للاحتلال التي تحولت لاحقا شيعية صرفا تطبيقا لاستراتيجيات جهات اقليمية معروفة. وازداد تصدعه بعد انتهاء الحروب العسكرية عام 1990 بفعل تنامي القوة الشيعية داخل لبنان سياسيا وعسكريا بفعل الحجم العددي والتفوق السلاحي والدعم الاقليمي واحساس اصحابها بان الوقت مناسب لممارسة سلطتهم بعد طول تهميش في لبنان، علما ان الحساسيات داخل الصف الاسلامي، كي لا نقول اكثر، موجودة من زمان. وبدأت الوحدة نفسها بالتصدع بفعل تنامي القلق السني واستطرادا الدرزي من هيمنة شيعية. وعندما تسلم الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة الحكومة اواخر 1992 وبعد نجاحه فيها احتدم التنافس او ربما الصراع السياسي طبعا بين الفريقين، ذلك ان الشيعة ادركوا ان "مشروعهم" او المشروع المتهمين بحمل لوائه، مهدد. كما ان السنة ادركوا ان هناك امكانا لاستعادة الموقع والنفوذ او على الاقل لابعاد الهيمنة. وبسبب التطورات التي حصلت بين 1990 و2004 توصل المسلمون السنة والدروز الى اقتناع مماثل للذي توصل اليه المسيحيون قبل ذلك وهو ان مصلحتهم، كما مصلحة كل اللبنانيين، لا تحميها الا دولة لبنانية تحمي الجميع وتدين لها كل الشعوب اللبنانية بالولاء والانتماء. اما الشيعة فانهم، او فان معظمهم، قرروا ان يخوضوا التجربة الفاشلة التي خاضها المسيحيون قبلهم والتي خاضوها في السابق كتفا الى كتف مع السنة مقتنعين، ولاسباب كثيرة بالقدرة على النجاح حيث فشل الآخرون. وادى ذلك الى اكتمال الشعور بـ"الامة" الشيعية في لبنان او بالهوية الشيعية، والى وقوف الامم اللبنانية الأخرى او اصحاب الهويات الاخرى في لبنان في موقع مناقض لهم رغم تضحياتهم الكبرى وانجازاتهم وفي مقدمها طرد الاحتلال الاسرائيلي من لبنان عام 2000. وما يدور الآن، وعلى اكثر من صعيد، هو جزء منه صراع بين من يرى ان الدولة ضمان لكل شعوب لبنان، ومن يرى انه لا يزال في امكانه السيطرة عليه. والمجتمع الدولي يدعم الفريق الاول. وجهات اقليمية معروفة تدعم الفريق الثاني. وبذلك يتساوى الاثنان في طلب مساعدة الخارج مع فارق وحيد، حتى الان على الاقل، هو ان المجتمع الدولي يصر على دولة فعلية في حين ان الفريق الاقليمي يصر على دولة شكلية غير مسيطرة وعلى دولة اخرى داخلها تملك السلاح والمال والعدد ويمون عليها، رغم ان مسألة العدد تحتاج الى كثير من المناقشة. هل يصل الشيعة، بعد كل الذي يجري وبسببه، الى ما وصلت اليه "الشعوب" الشقيقة لهم في لبنان؟ لا بد ان يصلوا رغم ان التكلفة باهظة. ولكن لا بد ان يساعدهم اللبنانيون الآخرون للوصول، ولا بد ان يبتعد المجتمع الدولي وادواته الاقليمية عن ممارسة سياسة العقاب الجماعي او عن محاولة تغليب فريق على آخرين في لبنان. والاجواء في لبنان اليوم، على تعاستها، قد تكون مهيأة. لكن ذلك يقتضي وجود قادة تاريخيين. في اي حال ليس الكلام المفصل اعلاه تأريخا دقيقا لمرحلة. لكنه خلاصات واستنتاجات لمتابعي الوضع اللبناني بكل تعقيداته الاقليمية والدولية من زمان. وهي قد لا تكون كلها صحيحة، او كلها خاطئة. والهدف منها هو اثارة انتباه الجميع الى ان عدم الافادة من مأساة اليوم لاقامة لبنان الدولة القابلة للحياة قد يجعل اللبنانيين ينتظرون طويلا جدا فرصة اخرى. طبعا لسنا واهمين ان الدولة المرتجاة ستكون لاطائفية او علمانية. لكن الامل هو ان تكون، في حال سمح بذلك من عطّل ولا يزال يعطّل قيامها من داخل ومن خارج ومن شقيق وصديق وعدو، دولة عادلة متوازنة وقابلة للتطور، وان تدريجاً، نحو وضع لاطائفي لا يُلغي خصوصيات الشعوب والطوائف والمذاهب بل يوظفها لمصلحة الوطن والانتماء اليه.