الذين يريدون وطناً ودولة في لبنان يجدون في فؤاد السنيورة الوجه الذي يشبه وجوههم. ففي ضعف رئيس الحكومة اللبنانيّ، أشاهدناه في بيروت أم في روما، يلوح ضعف ذاك المشروع النبيل وضعف حامليه.

ذاك أن البؤس الذي يتكشّف عنه المشهد اللبنانيّ راهناً يجد تتمته في الانتصارات التي قد تؤول الأيّام اليها. فانتصار إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتّحدة، سيكون، في حال حصوله، مكافأة للبربريّة التقنيّة ولارتكاباتها تهجيراً أعمى وقتلاً للأطفال وأخذاً للمدنيّ بجريرة العسكريّ. أمّا في ما خصّ لبنان الوطن والدولة، فكان واضحاً إخضاعهما لـ «القضيّة» والتضحية بهما على مذبحها. ولئن سمّت كوندوليزا رايس القضيّة تلك بـ «الشرق الأوسط الجديد»، بقي أن الرفض لوقف إطلاق النار قبل انتصارها هو الشكل الذي تتّخذه التضحية بلبنان.

وهنا نجدنا أمام نسخة أخرى من الوعي الذي خيضت بموجبه حرب العراق، وبموجبه تمّ إحلال «الاستقرار» و «الديموقراطيّة» في بلاد الرافدين! فهنا وهناك، يتعانق الاستراتيجيّ الأقصى مع الأيديولوجيّ الأقصى لفرض واقع لا يحتمله الواقع، يُراد إحلاله بقوّة مطلقة وسرعة تجافي طبيعة البلد ومعطياته وقدراته.

فمن نتائج انتصار سيناريو كهذا أن يُكلّف لبنان ما لا طاقة له به، أو ما لا مصلحة له فيه، أو ما يتعارض مع رغبات معظم بنيه. فليست وظيفة البلد المذكور أن يتصدّى لمشاريع إيران، نوويّة كانت أم غير نوويّة، ولا أن يشارك في محاصرة سوريّة، أستحقّت أن تُحاصَر أم لم تستحقّ. وبالطبع، فواجب اللبنانيّين المضيّ في تقديم الدعم الذي يسعهم تقديمه للشعب الفلسطينيّ في سبيل نيل دولته، لا العكس.

وكلّ من يعرف أبجديّة تاريخ لبنان الحديث يتذكّر أن أولى انفجاراته الأهليّة، أواخر الخمسينات، اصطبغت بما سُمّي «معركة الأحلاف»، حين قرّر البعض الانتساب الى «حلف بغداد» وذهب البعض الآخر الى الاستظلال بـ «الجمهوريّة العربيّة المتّحدة».

وأخيراً، فإن انتصاراً إسرائيليّاً - أميركيّاً سيخلّ بالتركيبة اللبنانيّة على نحو لا يقلّ انقلابيّة عن الانقلابيّة الأولى التي تدرّجت ما بين 1975 و1990 ثم تكرّست بعد ذاك. فمثلما صُدّع الموقع المسيحيّ في المجتمع والسلطة حينها، سيعمل الانتصار الجديد على تصديع الموقع الشيعيّ، أو بالأحرى تكريس التردّي الذي أنزلته به الضربات العسكريّة الأخيرة - المتواصلة. وغنيّ عن القول إن انقلاباً كهذا لن تقلّ فداحته عن فداحة الانقلاب الأوّل، سيّما في زمن انتشار الارهاب وتناثره واعتماده سلاحاً في أيدي الأطراف، الدينيّة أو الإثنيّة أو المذهبيّة، التي تنهزم، أو يتراءى أنها انهزمت.

وفي المقابل، فإن انتصاراً تحقّقه إيران وسوريّة من خلال «حزب الله» سيكون باهظ الكلفة على لبنان. فهو، أوّلاً، يخدّرنا بالنصر لمجرّد أننا لا نزال «صامدين» و»العدوّ لم يحقّق أهدافه»، فيما سكّاننا مهجّرون واقتصادنا منكوب وأرضنا محروثة. وبهذا تحلّ انتصاريّة فارغة محلّ الواقع ومحلّ العقل، جرياً على طريقة عربيّة مشهورة في احتساب الهزائم والانتصارات. أمّا سياسيّاً، فيترتّب على حال كهذه إخلال في التركيبة اللبنانيّة يضع طوائف بكاملها، متحفّظة عن «حزب الله»، في خانة الاتّهام بالتخلّي والتهميش، إن لم يكن بالخيانة. وفي الآن نفسه، لا يبقى من مبدأ التفرّد في القرارات الكبرى والخطيرة سوى الضجيج البطوليّ ومكافأته.

لكن «الحزب» لن يستطيع هو نفسه أن يستثمر «انتصاراً» كهذا، لأسباب كامنة في علاقته بالسياسة، الداخليّ منها والخارجيّ، وهذا قبل محنة التهجير والإفقار التي تعرّضت، وتتعرّض، لها قاعدته الشيعيّة راهناً. وهو جميعاً ما يفسّر بعض أسباب انبعاث النغمة القديمة عن «عودة سوريّة الى لبنان»، كما يقضي، في حال «انتصار» كذاك، بإحكام القبضة الإيرانيّة على السياسة اللبنانيّة، واستحكام العمل بنظريّة الساحة. وأبعد من هذا، أن لبنان يغدو، وهذا إذا ما حافظ على وحدته، مجالاً لـ «المقاومة» التي تفوق طاقته بلا قياس، كما تجافي إجماعات سكّانه ومصالحهم.

وللبعض ان يقول إن لبنان ليس جوهراً مفصولاً عن خيارات أهله وعن مجريات المنطقة بالمعنى الذي تمليه الأطراف المتصارعة. وهذا صحيح. وقد يقال ان بنيه، أو بعضهم، اختار، ويختار، الاندراج المباشر في استقطاب كهذا، وهذا ربّما كان فيه بعض الصحّة. لكنّ الشعوب مسؤوليّات أيضاً، وأوّل المسؤوليّة الآن التضافر حول الدولة وحكومتها بوصفه التعبير عن بناء وطن ومجتمع. بغير هذا تكتمل وتتكرّس خسارة اللبنانيين التي قد تصل بهم الى فناء بلدهم كليّاً. وهي خسارة لن تعوّضها طلائع «شرق أوسط جديد» وانتصار «ديموقراطيّة» جورج بوش العتيدة، كما لن يعوّضها تأكّدنا من «إرادة المقاومة» عند «شعبنا العظيم».