من دون مواربة وبلغة واضحة لا تحتمل التأويل، قالتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حين وصفت ما يتعرض له لبنان من اعتداءات إسرائيلية وحشية وبربرية بأنه «مخاض لشرق أوسط جديد». وحين تصف رايس ما يجري بالمخاض، فإن هذه الكلمة تحمل دلالات بالغة الأهمية والخطورة , أولها لا بد لسكان دول الشرق الأوسط ، والمقصود هم اللبنانيون بالدرجة الأولى والسكان العرب بدرجة ثانية، من دفع ثمن باهظ من الآلام، وأن يتحملوا وقتا طويلا حتى تنتهي هذه «العملية» الضرورية اللازمة، العملية التي تشبه تماما مخاض المرأة الذي يسبق الولادة، المخاض الذي لا بد أن تمر به و تقبل آلامه. أيضا فإن مصطلح «مخاض لشرق أوسط جديد» الذي أطلقته رايس، يعني في ما يعنيه أن رقعة الحرب والمواجهات الدائرة قد تتعدى المواجهة بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، وربما كانت تقصد أن نتائج هذه المواجهة، التي لا بد ان تحسم لصالح إسرائيل حسب التصور الأميركي سوف تترك آثارها على كل أصدقاء حزب الله في المنطقة، وهم سورية وإيران والمنظمات الفلسطينية المقربة من هذا المحور، الى كل الشارع المتعاطف مع حزب الله وما يمثله من روح وإرادة مصرة على الممانعة ومواجهة المشروع الأميركي في المنطقة، المشروع أو الطموح الأميركي المعلن لتركيب وصياغة شرق أوسط جديد. ما يعطي مشروعية للتوقعات بأن الحرب أو «المخاض» سيكون طويلا، هو إدراك كل من طهران ودمشق وحلفائهما اللبنانيين والفلسطينيين ذلك جيدا، لا، بل هم يعرفون أن أي هزيمة لحزب الله اللبناني، أو «حماس» في السلطة الفلســـطينية، أو لإيران فـــي العـــراق، أو لسورية من خـــلال أصـــدقـــائها في لبـــنان، ســـوف تنعكس بآثارها الكبيرة على المواقع الأخرى. وما يعطي المواجهة أو عملية المخاض بعدها الإقليمي، ما يعلنه مسؤولون في الإدارة الأميركية كل مرة وبشكل واضح وجلي حين يجددون ربط ما يجري في لبنان بإيران وعلاقته بحزب الله، وقد قالتها وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بشكل واضح وأمام الجميع في مؤتمر روما, حين تحدثت عن قلق بلادها من التدخلات الايرانية في ما يجري في لبنان، وفيما بعد نقل عن مسؤول أميركي أن واشنطن تنظر الى ما يحدث في لبنان باعتباره «جبهة في اطار مواجهتها مع ايران»، تبدأ من العراق من خلال الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر وبقية أصدقاء طهران في العراق، مرورا بالعلاقة السورية - الايرانية وانتهاء بعلاقة طهران بـحزب الله وحركة «حماس» الفلسطينية. على ضوء هذه الرؤية الأميركية لخارطة التحالفات الاقليمية، إضافة الى مخاوف واشنطن وإسرائيل من استمرار طهران في المضي بعيدا في برنامجها النووي، يمكن فهم سر ممانعتها لوقف فوري لإطلاق النار، إن الولايات المتحدة تريد ضرب إيران في لبنان من خلال حزب الله الذي تراه واشنطن ذراعا عسكرية متقدمة لايران, وعلى هذه الخلفية تعتقد الآنسة رايس أن ضرب إيران من خلال هزيمة حزب الله على يد إسرائيل ستفسح في المجال واسعا امام عملية تحول في الشرق الأوسط، شرق أوسط جديد بدون قوى معارضة للولايات المتحدة وبدون أعداء لاسرائيل. لقد قال الرئيس الأميركي جورج بوش ان «حزب الله على اتصال مع ايران» وأن واشنطن «لن ترضى بمكافأة الارهابيين على أعمالهم», وأن هدفه «إنهاء الصراع لكن مع التأكد من وجود سلام دائم , وليس سلاما زائفا», إن تحليل هذا الكلام يعني أن واشنطن تسعى من خلال إسرائيل الى انهاء قوة حزب الله وتوجيه هزيمة لحلفائه حتى يتسنى الوصول الى «سلام دائم»، أو «شرق أوسط جديد» . في هذا السباق الأميركي - الإسرائيلي لإعادة صوغ وقائع جيوسياسية جديدة، وفي ظل وعي الطرف الآخر المستهدف، يدفع الجنوب اللبناني، بل لبنان جميعه، ضريبة الصراع، وكأن قدر لبنان أن يبقى ساحة للآخرين، لا وطنا لابنائه. إن التاريخ يكرر نفسه في لبنان منذ استقلاله ، رغم تبدل الأشخاص، ما يسمح بطرح اسئلة عن حقيقة لبنان الكيان ونشوئه، وعن طبيعة النظام السياسي فيه، الى طبيعته الاجتماعية والطائفية والثقافية، وأيضا وقبل كل ذلك، موقعه الجغرافي في قلب قضية الصراع العربي - الاسرائيلي غير المنتهي, وغير المحسوم , بسبب عدم وصول جميع الدول العربية الى اتفاقات سلام مع إسرائيل, وبسبب عدم استعداد إسرائيل وجاهزيتها لصنع السلام مع جيرانها الفلسطينيين، الى تلكؤ المجتمع الدولي وفي مقدمه الولايات المتحدة وأوروبا في وضع نهاية عادلة لهذا الصراع التاريخي. ما يجري في لبنان اليوم، وما حصل سابقا في عام 1982 ، وحتى الحروب السابقة، التي وصفت بـ «الحروب الأهلية»، له علاقة مباشرة بما يجري في الأراضي الفلسطينية وما تواجهه قضية الشعب الفلسطيني، هنا يجب ألا ننسى أن قوى فلسطينية قامت بخطف جندي إسرائيلي قبل أيام قليلة من قيام حزب الله بأسر جنديين إسرائليين. كذلك ثمة اراض لبنانية ما زالت محتلة هي مزارع شبعا، لا بل ان حزب الله نفسه نشأ اثناء الاحتلال الاسرائيلي للبنان، الاحتلال الذي بدأ بذريعة واهية هي قيام تنظيم «المجلس الثوري» الفلسطيني بزعامة أبو نضال بمحاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن، ثم تطورت الحرب وأهدافها ليتضح فيما بعد أن الغاية كانت طرد الفصائل الفلسطينية من جنوب لبنان. وعليه، سيبقى التاريخ يكرر ذاته في لبنان وربما مستقبلا في دولة عربية أخرى ما زالت قضية الشعب الفلسطيني دون حل، وما زالت الدولة الفلسطينية المستقلة المنشودة بعيدة المنال. إن أي مخاض لشرق أوسط جديد يبقى قاصرا عن رؤية هذه الحقيقة فلن ينتج عنه إلا مزيد من الدمار والقتل والدم المجاني.