الاجتماعات داخل الادارات الاميركية المعنية في واشنطن وخارجها مستمرة. والهدف الأساسي من المناقشات التي تحصل فيها هو اولاً معرفة نيات اطراف الحرب الدائرة حالياً بين لبنان واسرائيل والتي يعتبرها كثيرون في العالم حرباً مباشرة بين اسرائيل و"حزب الله" وحرباً غير مباشرة بين معظم الانظمة العربية والجمهورية الاسلامية الايرانية وبين الولايات المتحدة ومعظم المجتمع الدولي وبين ايران وحليفها العربي الوحيد اي سوريا. والهدف الأساسي هو ثانياً البحث عن سبل لوقف الحرب التي اوقعت حتى الآن ضحايا عدة منها البنية التحتية اللبنانية المدنية ومنها المدنيون اللبنانيون بل الشعب اللبناني ومنها المدنيون الاسرائيليون في حين ان اي اذى كبير لم يلحق حتى الآن بالذين يخوضون هذه الحرب عسكرياً او بالذين يدعمونهم سياسياً وديبلوماسياً ومعنوياً وتسليحياً. والهدف الاساسي ثالثاً هو التوصل الى حل ينال موافقة اطراف الحرب المباشرين وغير المباشرين وتالياً المجتمع الدولي ممثلاً بالامم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن ويؤدي تطبيقه ليس الى وقف اطلاق النار فحسب بل ايضاً الى ازالة اسباب اي اطلاق جديد للنار بين لبنان واسرائيل. ولا يعني ذلك اقامة سلام بين هاتين الدولتين المتعاديتين لأن ذلك يرتبط بالصراع العربي – الاسرائيلي المزمن ولبّه القضية الفلسطينية وبعدم قدرة لبنان على الانفراد في امر كهذا أو ربما عدم رغبته في ذلك لادراكه اخطاره الكبيرة والكثيرة عليه. هل توصل المشتركون في الاجتماعات المشار اليها اعلاه الى وسائل تحقق الاهداف التي يطمحون إلى تحقيقها؟ المعلومات الواردة من واشنطن على العاصمة اللبنانية تستبعد ذلك. الا انه يبقى مفيداً الاشارة اليها او اطلاع الرأي العام عليها لأنها تلقي ضوءاً على ما يجري خلف الكواليس الديبلوماسية وعلى التطورات المحتملة من سياسية – ديبلوماسية وعسكرية. هذه المعلومات تفيد ان المناقشات أسفرت عن تفاهم أو توافق على أمور عدة أبرزها ثلاثة. الأول، ان اسرائيل قررت مبدئياً اقامة حزام بعرض خمسة كيلومترات على طول حدودها مع لبنان. رغم ان عمق هذا الحزام لا يحميها من الترسانة الصاروخية لـ"حزب الله" في حال استمرار الحرب. الا ان حزام الـ2006 لن يكون مثل حزام الـ1978 الذي "عمّر" قرابة 22 سنة. أي لن يكون مأهولاً. وذلك يعني ان قراه وبلداته ستتعرض للهدم التام أو شبه التام مع ما يمكن ان يرافق ذلك من مجازر وانه سيكون في النهاية خالياً من السكان اي من البشر عموماً. وبذلك يكون الحزام ارضاً محروقة. والثاني، ان وقف الحرب الدائرة على لبنان منذ 20 يوماً يتوقف على نجاح الاتصالات والمشاورات الدولية والاقليمية الجارية حالياً وخصوصاً مع اطرافها المباشرين وغير المباشرين وتالياً على تكريس مجلس الأمن هذا النجاح بقرار يصدره يتضمن مجموعة من الاجراءات الكبيرة والصغيرة السياسية والعسكرية. والى ان يحصل ذلك فان الحال الراهنة المأسوية ستستمر وقد تتفاقم. أما ثالث الامور، فهو ان فشل مجلس الأمن في وقف الحرب الدائرة بالسرعة التي تقتضيها مأسويتها وفشل "حزب الله" وداعميه الاقليميين في اتخاذ المواقف التي تساعد مجلس الأمن على التوصل الى حل جدي لما يجري او عدم تجاوبهم مع قرار قد يصدره في هذا الاتجاه، كل ذلك سيدفع حكومة اسرائيل الى تنفيذ أو محاولة تنفيذ اجتياح بري واسع حدوده نهر الليطاني، وقد يكون هذا الاحتمال احد اسباب استدعاء المؤسسة العسكرية الاسرائيلية الاحتياط الذي سيبلغ عدده تسعين الفاً. علماً ان هذا العدد يكفي لمهمات اكبر من اجتياح محدود في لبنان. هل اختلف المجتمعون في الاجتماعات المشار اليها على أي شيء؟ نعم، استناداً الى المعلومات نفسها الواردة من واشنطن، والخلاف او الاختلاف كان على النيات الطويلة المدى او البعيدة المدى لحكومة اسرائيل التي يترأسها ايهود اولمرت. وكان تحديداً على الوسائل التي قد تعتمدها بغية تقليص الخطر الفعلي لـ"حزب الله" عليها والذي اظهرته بوضوح الحرب الدائرة ولا سيما في ظل العجز الذي اظهرته على الاقل حتى الآن في القضاء على هذا الخطر او في تقليصه واقصائه. والوسيلة التي اثارت قلق الجميع اثناء المناقشة كانت اقدام اسرائيل على خلق ظروف لبنانية تؤدي الى اندلاع صراع داخلي دامٍ ينطلق من الانقسامات الطائفية والمذهبية ومن الاحتقانات الكبيرة التي تسببت بها هذه الانقسامات في "الشوارع" اللبنانية. وفي صراع كهذا سيضطر "حزب الله" أو قد يضطر الى استعمال سلاحه ومقاتليه في الداخل اللبناني. ما هي فرص نجاح اسرائيل في اطلاق صراع كالمذكور او في دفع الشعوب اللبنانية اليه؟ تشير مراقبة الوضع اللبناني الراهن ورغم صحة الانقسامات الداخلية وعمقها وتاريخيتها الى ان الجهات اللبنانية الاساسية تعي خطر صراع من هذا النوع وتسعى جاهدة الى تجنبه. فـ"حزب الله" يعرف ومن زمان انه "ينتهي" اذا صار فريقاً في صراع داخلي طائفي أو مذهبي. لذلك فان قراره هو عدم خوضه بل عدم الانجرار اليه. والاطراف الآخرون في البلاد يعرفون ان الوقوع في فخ الصراع الداخلي ينهي الدولة غير القائمة حتى الآن الا على الورق وينهي الوطن والكيان. لكن ذلك وحده على أهميته لا يكفي لتلافي جحيم صراع أهل الداخل. اذ متى كانت ارادة اللبنانيين المتصدعة في استمرار كافية لتجنب الانزلاق في حروب تخدم غيرهم على حساب وطنهم؟ ومتى كان اللاعبون الكبار من اقليميين ودوليين يتورعون عن متابعة العابهم على اراض دول اخرى بعد تحويلها ساحات لهم وبواسطة شعوب كل "ذنبها" انها صدقت ولا تزال تصدق حتى الآن انه قد يكون في قلوب هؤلاء الكبار اي رحمة لهم او لغيرهم او اي مكان للقيم والأخلاق، وما يجري في العراق الآن على أيدي الكبار الاقليميين والدوليين خير دليل على ذلك. في النهاية لا يمكن الامتناع عن الحديث عن المجزرة الجديدة في قانا وعن المجازر الاخرى التي حصلت منذ بدء الحرب. فقانا صارت مدينة الشهادة والشهداء وقرى الجنوب والبقاع ومدنها والبلدات صارت برهاناً ساطعاً على احتقار الحياة والانسان وعلى موت الضمير وانعدام الاخلاق عند اسرائيل كما عند كل القوى الدولية والاقليمية المشتركة في هذه الحرب التي لا تملك الجرأة للتواجه في ما بينها عسكرياً وتكتفي بالتواجه عبر اجساد المدنيين العزل في لبنان. طبعاً تستحق قانا وشهداءها وكل شهداء لبنان مقالاً بل مقالات لكن الحزن الحقيقي هو الذي في القلب وكذلك الغضب. والانتقام الحقيقي يكون باحباط مساعي اسرائيل لتخريب الداخل وباستعادة المجتمع الدولي وان ظالماً، الى صف لبنان القوي بمقاومته والضعيف بدولته وبانقساماته وبطغيان ولاءاته المتنوعة على الولاء للوطن وللانسان فيه.