تنشغل جهات عدة في رصد ما ترى أنه «تحوّل» في الموقف الرسمي العربي من «حرب 12 تموز 2006» على لبنان. ويرى بعض هذه الجهات أن صمود مقاتلي «حزب الله» فرض على الموقف الرسمي العربي مراجعة حساباته، وتخفيف لهجة انتقاداته لإقدام «حزب الله» على فتح باب المواجهة بخطفه العسكريين الإسرائيليين.

قد يكون ثمة صحة في هذا الرأي بالنسبة لهذه العاصمة أو تلك، لكن التعميم خاطئ حتماً. والسبب واضح حتى في تعليقات الأمانة العامة للأمم المتحدة وعواصم القوى الغربية الكبرى ـ باستثناء واشنطن ولندن ـ التي أيقنت أن ردّ الفعل الإسرائيلي كان أبعد بكثير من مجرد تأديب «حزب الله« والرد على عملية الاختطاف.

لا شك حصل تغيّر في الجو السياسي المحيط بهذه الحرب، التي يبدو الآن أنها كانت فقط تنتظر الشرارة... بدليل الأفعال والمواقف المعلنة الصادرة عن «التحالف الثلاثي» المكوّن من إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا.

كذلك حصل تغيّر في الحالة الإنسانية الفظيعة التي تكشف في كل لحظة أن المؤسسة السياسية العسكرية الإسرائيلية عادت إلى رهانها الأزلي القائم على وضع كل الشعب اللبناني أمام خيارين لا ثالث لهما، أحلاهما مر، هما: إما تدمير لبنان بآلة الحرب الإسرائيلية... أو تدميره بنيران الحرب الأهلية.

ذلك أن قتل أكثر من 600 مواطن (غالبيتهم العظمى من المدنيين ونصفهم من الأطفال) وجرح الألوف وتهجير 800 ألف إنسان وتدمير البنى التحتية وتكبيد الاقتصاد االلبناني حتى الأسبوع الفائت خسائر مادية تقدر بما لا يقل عن 3 مليارات دولار، «إنجاز» عدواني تجاوز كثيراًً هدف «تدمير القدرات القتالية لحزب الله وتجريده من السلاح وبناء منطقة عازلة تبعده عن الحدود»، وأضحى تدميراً جماعياً شاملاً للبنان وفق استراتيجية تشتمل على مفهوم «الأرض المحروقة».

ومن يقرأ بعض المدوّنات الإلكترونية التابعة لليمين الجمهوري في الولايات المتحدة ـ منها «رد ستايت» Red State، على سبيل المثال لا الحصر ـ يلحظ تشكيكاً صريحاً حتى بجدوى وجود لبنان ككيان ودولة. وفي المقابل، هناك مشاعر سخط وقلق كبيرين على المستويين الرسمي والشعبي في أوروبا، وحتى في الولايات المتحدة، على مواصلة إدارة الرئيس جورج بوش «رعاية» الحرب الإسرائيلية على لبنان وتغطيتها على أساس أنها ـ وفق تصريحات بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس ـ مقدمة لحرب إقليمية أوسع من حدود لبنان... العدو فيها هو «الإرهاب».

هنا نصل إلى نقطة مثيرة تستحق وقفة مع الذاكرة...

لقد استخدمت رايس غير مرة خلال الأيام العشرة الماضية عبارة «ضرورة إزالة الجذور المسبّبة للعنف» في سياق دفاعها عن موقف واشنطن الرافض لأي مناشدات بوقف إطلاق النار. ومصطلحات كـ«الجذور المسبّبة» أو «الجذور السبّبية» The Root Causes للعنف جديدة تماماً على آذاننا نحن العرب مع السياسة الإقليمية لواشنطن منذ أعلنت «الحرب على «الإرهاب».

فيومها عندما كنا، ساسة ومعلّقين، ننصح بالتنبه إلى «الجذور المسبّبة للإرهاب« كانت التهم تكال علينا من قبل واشنطن ولندن وأبواقهما الكثر ـ حتى من العرب ـ «بالتواطؤ مع الإرهابيين» أو إيجاد الأعذار والمبرّرات لجرائمهم. وعندما كنا نحث على ضرورة إدراك العلاقة الجدلية بين مشاعر الغضب والإحباط والنقمة واليأس في العالمين العربي والإسلامي من «سياسة الكيل بمكيالين»، ولا سيما في فلسطين، والمغامرات العربية العسكرية التي كان احتلال الكويت أحد أبشعها وأعلاها تكلفة... كان يأتينا صوت واشنطن ـ و«أصداء صوت واشنطن» ـ مجلجلاً... «لا صلة»

No Linkage.

حقيقة الأمر أنه كانت هناك صلة، بل وصلة قوية جداً. وهذا ما قلته صراحة لمسؤول عربي خليجي مثقف ومحترم كان في زيارة للندن إبان محنة الكويت. ولما فوجئ بكلامي بادرني مستنكراً: «يعني أنت تصدّق أن صدام حسين غزا الكويت بهدف تحرير فلسطين...؟»، فأجبته «... لا أبداً، ولكن ما أقصده أن محنة فلسطين جعلت الإنسان العربي المهانة كرامته مستعداً للتعاطف مع أي مغامرة من أي مغامر حتى لو كان من نوعية صدام حسين». وتابعت أن كل الانقلابات العسكرية والمغامرات الحربية الفاشلة في عالمنا العربي منذ انقلاب حسني الزعيم في سورية عام 1949 جاءت تحت شعارات «تحرير فلسطين» و«استعادة الكرامة» و«السعي إلى الوحدة القومية ضد العدو الصهيوني».

بناءً عليه... نعم هناك «صلة». وهذه الصلة تستحق أن تؤخذ بعين الاعتبار إذا كانت الوزيرة رايس حريصة جداً على معالجة «الجذور المسبّبة» للعنف في المنطقة.

غير أن المشكلة مع رايس أن لها منطقاً انتقائياً إزاء هذه «الجذور». إذ أن «جذورها» أقصر مما يجب، وهي تقف فقط عند عمق حق أي طرف عربي بالرد على التوسع الإسرائيلي المستمر مدعوماً بمباركة أميركية دائمة برغم أنف قرارات الشرعية الدولية. في حين أن الموقف العربي الرسمي، على الأقل المعلن في قمة بيروت عام 2002، يربط السلام بوقف التوسع والاستيطان، ويجعل لقاء الاعتراف بإسرائيل مطلبي الانسحاب من الأراضي المحتلة (بما فيها القدس الشرقية) عام 1967 وقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

«تل أبيب آرييل شارون»... المنهمكة في قمع «انتفاضة الأقصى» رفضت طبعاً مقررات قمة بيروت، مستقوية كالعادة بالدعم الأميركي اللا مشروط. و«واشنطن جورج بوش الإبن» خذلت من جانبها الرئيس الإيراني «البراغماتي» محمد خاتمي المجدّد له (في 8 حزيران/يونيو 2001) وسط تراجع شعبية «التيار المحافظ» المتشدد أمام نسمات الليبرالية في الشارع الإيراني. وهكذا خلقت أجواء احباط ومرارة على الجبهتين الأشد توتراً في المشرق العربي، أي فلسطين والخليج.

ثم في مسار مناقض تماماً لارتفاع صوت الاعتدال الرسمي في المنطقة، جاءت اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة ـ التي هي اليوم حقاً «روما القرن الحادي والعشرين» ـ لتزيد متشدّدي «المحافظين الجدد» و«المسيحيين الصهاينة» المستعجلين على «ارماجدون» حاسمة تشدداً وتعجلاً لتنفيذ مشروعهم.

وهكذا، كما عشنا ورأينا... دخلنا في سباق «تطرف» و«تطرف مضاد« ضاعت فيه المسؤولية، وتسارع إيقاع العمل على تطبيق مشروع «الشرق الأوسط الجديد» انطلاقاً من احتلال العراق الذي بدأ على الأثر مسيرة مأساوية على طريق الحرب الأهلية والتقسيم. وها نحن اليوم أمام أسوأ حالة من الفوضى التي لم يُحسم بعد ما إذا كانت «بناءة» أو «غير بناءة»...

إنها فوضى والسلام... والآتي أشد وأدهى!

فإيران، بانتظار بلورة «اختراق» ما في المراوحة الراهنة مع إدارة جورج بوش، تعيش مجدداً تحت حكم الغلوّ الساعي إلى عضلات نوويّة.

والعراق يسبح في بحر من الدم.

ولبنان يجد نفسه مجدداً في نفق مظلم.

وسورية تتخبط بين خطاب المزايدات وأحلام الصفقات وطوباوية الشعارات وتحالفات المصالح.

وفلسطين، المرفوض خيارها الديمقراطي، محكومة بمواصلة مشروع إلغائها كحلم بعد ضرب البقية الباقية من مقوّمات «دولتها».

أما دول باقي المنطقة فتعيش محاصرة بين واقع هيمنة إسرائيلية ينذر بمشروع ابتزازي وتفتيتي راديكالي لا يبقي ولا يذر، وبين تهديد طموح إيراني إقليمي يستحيل العيش في ظله ويتعذر درء عواقب سحقه بسلاح إسرائيلي ـ أميركي.

إن عرب المنطقة، بمعتدليهم الحاكمين ومحبطيهم المحكومين، يجدون أنفسهم أمام مطرقة محور واشنطن ـ تل أبيب وسندان إيران، حيث التطرف ـ بما فيه الأصولية الدينية ـ هو القاسم المشترك عند المحورين. ولهؤلاء العرب لا بد من كلمة بسيطة.

إزاء وضع كهذا، كل تبرير جائز باستثناء التبرير العبثي الكيدي المفرط. فلكل إنسان أولوياته وحساسيته وافكاره، ولكل بلد في المنطقة هواجسها و«خطوطها الأمنية الحمراء». ولكن على الجميع التنبه إلى الشطط وتحاشي إعطاء الخصم المتربص مصداقية لا يستحقها.

أما القوى والمؤسسات الدولية التي حاولت في العاصمة الإيطالية خلال الأسبوع الماضي وقف نزيف لبنان، فاكتشفت عملياً معنى «الأحادية القطبية» بأقبح مظاهره. وكانت مفارقة أن تعطل «روما الجديدة» خيارات السلم والتعايش والشرعية الدولية... من قلب روما!