فيصل حوراني

هذه الحرب على لبنان أمريكية قبل أن تكون إسرائيلية. ولو تجاوزنا الحضور الطاغي لأداة التنفيذ، فسيصحُّ القول بأن لبنان يتعرض لحرب تريدها الولايات المتحدة قبل سواها، وتلعب إسرائيل فيها دور الشريك الصغير المتمتع بسمات القاتل المأجور والطامع في الظفر بنسبة من الغنائم.

الولايات المتحدة بحاجة لتطويع بلدان الشرق الأوسط. وقد شرعت في عملية التطويع منذ تكشفت ضخامة مخزون النفط وأهميته. فعلت الولايات المتحدة هذا بالتي هي أحسن والتي هي أسوأ، بالتنسيق مع حليفاتها أو من وراء الظهر. واستعانت بالحركة الصهيونية ودولتها إسرائيل في كل وقت، منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية إلى يوم الناس هذا. ولتسهيل عملية التطويع، أفلحت الولايات المتحدة في أمور بعينها، فقد جنّدت القوى العربية المحافظة تحت راية العداء للشيوعية ومنّتها بحمايتها من الشيوعية، ووجهت جانباً من سخط النخب العربية نحو الصهيونية وإسرائيل بدل أن يتجه نحوها هي، وأوكلت مهمة محاربة العرب إلى جيش إسرائيل، فتجنبت إقحام جيشها في حروب المنطقة المتواترة وإزهاق أرواح جنودها فيها، واحتفظت لنفسها بهامش للمناورة حين تحتاج إلى الظهور بمظهر الوسيط النزيه.

وقد اشتد تواتر عمليات التطويع منذ أفلحت الولايات المتحدة في تطويع مصر. أما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أي في المرحلة التي نشهد الآن جانباً من عقابيلها، فقد انفتح الباب لاستكمال تطويع الجميع، وصارت الولايات المتحدة قادرة على إتيان أي قبيحة. والواقع أن في معظم بلدان المنطقة الآن أنظمة حكم مطيعة أو خائرة ومعارضات مبلبلة أو قاصرة. وليس في المنطقة التي لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى مجاملة أحد فيها سوى بؤر قليلة مستعصية على التطويع حتى وهي لا تملك القدرة على تبديل الحال. لبنان فيه واحدة من هذه البؤر. والمقاومة اللبنانية، هذه التي يقودها حزب الله المشهود له بالدراية والصلابة، هي مركز هذه البؤرة، وهي التي تحول دون وضع لبنان كلّه في حظيرة الطائعين، بالرغم من أن فيه قوى كثيرة تتشوق للالتحاق بها. وفي السنوات الأخيرة، كثّفت الولايات المتحدة جهودها لتفكيك البؤرة اللبنانية، ودفعت أتباعها المحليين والإقليميين وحلفاءها الدوليين للمساهمة في هذه الجهود. إلا أن البؤرة المتجذّرة في بيئة اجتماعية ووطنية وسياسية ترفض التطويع لم تتفكك ولم تُظهر رخاوة. وهكذا، صار لا بد من هذه الحرب الجديدة، الكثيفة، ذات المدى المفتوح في الوقت والمكان.

هذه الحرب لها هدف معلن: القضاء على حزب الله وتحويل النظام اللبناني إلى نظام مطيع بالكلية. ولهذه الحرب أهداف أخرى تكاد تكون معلنة: تدمير المقومات المادية لقوة الدولة اللبنانية، وقطم مسيرة الحوار الوطني الذي جمع قوى البلد في مجال البحث عن ما هو مشترك، وزعزعة أسس الديمقراطية اللبنانية التي تبيح التعددية وتصون حرية التعبير، وما إلى ذلك مما يسمح لمطيعي الولايات المتحدة بالتحكم بالبلد وحدهم. أما الأهداف غير المعلنة فيمكن الذهاب إلى حدود بعيدة في التكهن بها: زعزعة أحد مرتكزات الموقفين الإيراني والسوري إزاء الولايات المتحدة وأداتها الفتاكة إسرائيل، وتحرير إسرائيل من تهديد المقاومة اللبنانية لاستقرارها، وذلك لكي يتمتع الشريك الصغير بالقدرة على تعويض ما يفقده الشريك الكبير بسبب ورطته الدامية في العراق وورطته السخيفة في أفغانستان. وقد لا نقع في المبالغة إن أدرجنا بين أهداف هذه الحرب حاجة الشريكين لإجراء تدريب ميداني من أجل اختبار الأساليب والوسائل التي يجري إعدادها فيما لو اقتضت التطورات شنّ حرب على أيٍّ من إيران أو سورية أو عليهما كليهما.

وفي هذا التصور للأهداف نقع على التفسير الصائب لهول الهجمات العسكرية على لبنان ولسفور التأييد الأميركي للقتل والتدمير وجرائم الحرب التي تُقترف في كل لحظة. وهذا هو جوهر الأمر كما ينبغي أن يُرى حين تكون الرؤية صائبة. أما التفاصيل فإنها تتوالى لتؤكد هذا الجوهر. ولن يخطئ الرؤيةَ إلا الذين يتوهمون أن هيمنة الولايات المتحدة على الجميع قدر لا بد منه. وهؤلاء هم الذين يتوهمون أن الرضوخ للولايات المتحدة هو طريق النجاة الوحيد المتيسر من الأهوال التي تستطيع هذه الولايات المتحدة أن تصبها على أي معاند لمشيئتها.

والعرب في هذه الحرب ليسوا عرباً واحدة كما كانوا في الحروب الأولى، وليسوا عربين فقط كما صاروا في حروب لاحقة، بل هم عربانٌ عديدة، وأظهرُ العربانِ حضوراً في الساحة الآن هم عربان أميركا، الموالون لها، والحائرون أمامها، والطامعون في الظفر برضاها. وهؤلاء جميعهم ليسوا مجموعات شياطين خرساء أو ساكنة كما يصورهم بعض الإعلام، بل صاخبة وناشطة ومعنية بأن تدعم الجهد الأميركي لجلب لبنان كله إلى الحظيرة. ومما لا شك فيه أن هؤلاء يتمنون أن تشرق الشمس ذات صباح دون أن يكون على ظهر البسيطة من يقول للولايات المتحدة: لا. وما أشدّ شَبَهَ الحرب على لبنان بالحرب على العراق: المعتدي هو ذاته، والدوافع تكاد تكون متطابقة، وتصيُّد الذرائع لشن الحرب على بلد باسم محاربة الإرهاب، واستهداف تدمير البلد لأن ظروفه تؤهّله لاستنكار الوجه المتوحش للسياسة الأميركية، العراق الذي أهلته لهذا الدور قدراته البشرية وموارده المالية، ولبنان المؤهل بقوة تقدّمه ورسوخ التقاليد الديمقراطية فيه. بل ما أشدَّ تشابه الحالتين من حيث مراهنة الولايات المتحدة فيهما على قوى تنتسب للبلد المستهدف وتقدم ظهورها مطايا للأميركيين وشركائهم كي يفتكوا به. إنها، هنا كما هناك، القوى التي تتوهم أن انتصار الولايات المتحدة سيمكنها هي من الانتصار على خصومها من أهل بلدها.

فهل ستنجح الولايات المتحدة وقاتلها المأجور أو شريكها الصغير والمراهنون عليهما في تحقيق أهداف هذه الحرب؟ الإجابة تقتضي تحديد معنى النجاح في حرب كهذه في الظرف الذي دفع إلى شنّها. فنجاح الظالم يتحقق إن أفلح في إخلاء الساحة من الذين يقاومون ظلمه، أو حال بينهم وبين الاحتياز على الوسائل التي تمكنهم من المقاومة. فإذا بقي في الساحة من يملك القدرة على المقاومة فكل نجاح أقل من هذا مثلوم. وفي لبنان، كما في أي مكان يتصارع فيه ظالم ومظلوم، يفشل المعتدي إذا لم يدمّر القدرة على المقاومة، وينجح المقاوم إذا تمكن من البقاء.

ولو قسنا النجاح بمعيار استهداف تدمير بنى لبنان التحتية وإرهاق الشعب ودولته بالويلات، فقد ينبغي الإقرار بأن نسبة كبيرة من هذا الهدف قد تحققت حتى الآن، وربما ارتفعت هذه النسبة في الأيام القادمة، علماً أن هذا الكلام يكتب في اليوم الثالث عشر للحرب. أما إذا ربطنا تدمير البنية التحتية بهدف تركيع لبنان كلّه، أي بهدف المعتدين السياسي، فقد يختلف الأمر، بل إنه سيختلف بالقطع. ولا بدّ من أن نستحضر عِبَر الحروب السابقة، تلك التي استغرقت زمناً أطول، وصّبت على لبنان أهوالاً أشد، وأحدثت دماراً أوسع، ومكّنت قوى ذات وزن فيه من الجهر بتعاونها مع المعتدي، ثم لم تُفضِ إلى تركيع البلد كلّه، ولم تُلغ وجود المقاومة وتطورها. ألم ينجز لبنان بسرعة قياسية إعادة بناء ما دُمّر في كل مرة، ألم يستنبط من الكوارث حوافز لتجديد الدم وتنشيط الحيوية واستئناف المقاومة بمستويات أرقى من السابقة.

ثم لو قسنا النجاح بمعيار شعبية حزب الله في لبنان وثبات أو تراخي الحضور المتحقق له في البلد والعلاقات التي نسجها مع معظم القوى فيه، فقد أفضت الحرب حتى يومها الثالث عشر إلى عكس ما توخاه المعتدون. والحكومة التي قال المعتدون إنهم يشنون الحرب ليحرروها من ضغوط حزب الله عليها وجدت نفسها فيما البطش الأميركي الإسرائيلي يفتك بالبلد كله في الموقع ذاته الذي يقف فيه حزب الله، موقع الدفاع عن وطن الجميع ومنجزاته الروحية والمادية. وها هو ذا رئيس الحكومة فؤاد السنيورة يقول ما كان من الممكن أن يقوله رئيس حزب الله حسن نصر الله ذاته. وإذا كان أقرب رؤساء حكومات لبنان إلى الولايات المتحدة قد وصف العدوان الإسرائيلي بأنه وحشي، واستنكر تأييد الولايات المتحدة لاستمراره، فكيف يمكن الادعاء بأن العدوان قد أسلم حزب الله إلى العزلة.

ومحاولة تأليب العرب على حزب الله بدعوى أنه جلاّب مصائب لبلده ومبوظ أفراح، هذه المحاولة الخبيثة، ما الذي نجم منها. ألم يُضطر أكثر الحكام العرب تبعية للولايات المتحدة إلى استنكار الوحشية الإسرائيلية وحثِّ الإدارة الأميركية علناً على التدخل لوقف العدوان؟ ألم ينته إلى هذا حتى الحكام الذين وجهوا في بداية الحرب اللوم إلى حزب الله. نفاق؟ أليس لاضطرار هؤلاء إلى النفاق دلالة سافرة؟ وهل كانوا سيقولون ما انتهوا إلى قوله لولا أن تعاطف جماهير بلادهم مع لبنان المعتدى عليه ومع حزب الله الذي يقاوم العدوان قد بلغ حداً يقلق هؤلاء الحكام؟

وإذا قسنا الأمر بمعيار ما يتعرض له الحزب ذاته من خسائر في المقاتلين والأعتدة، فلا مناص من الإقرار بأن الحزب قد خسر بعض مخزون أسلحته وقد يخسر المزيد في الأيام المقبلة. إلا أن الخسائر في المقاتلين المتمرسين لن تبلغ أي رقم يأذن للمعتدين بأن يدعوا أنهم حققوا هدفهم. وبالإمكان أن نستحضر من حقائق حرب 1982 حقيقة لم ترُج في حينها على نطاق واسع. ففي شهور هذه الحرب الثلاثة، لم تتجاوز خسائر المنظمات الفلسطينية جميعها من كادرها المحترف المائة. ويعرف الذين لديهم إلمام بقتال المقاومين أن هؤلاء يتقنون تجنب وقوع خسائر في صفوفهم. وإذا كانت آلة البطش الفتاكة في الحرب الحالية قد جعلت نسبة خسائر اللبنانيين في أرواح المدنيين إلى خسائر الإسرائيليين عشرة إلى واحد، فمما لا شك فيه أن الفارق أضأل من هذا بكثير إذا حسبت الخسائر في أرواح المقاتلين على الجانبين وحدها.

وفي اليوم الثالث عشر للحرب، لم يبدُ أن إسرائيل قد أخرجت حزب الله من أي ميدان. ولا يلوح في الأفق أن شراسة غارات إسرائيل الجوية وقصفها المدفعي سوف تقضي على حزب الله. من هنا، تتحرق إسرائيل للقيام باكتساح برّي، وتتصور أن هذا الاكتساح هو الذي سيحقق أهداف الحرب. غير أن مثل هذا الاكتساح يعني أن تعود إسرائيل إلى احتلال لبنان كما فعلت في العام 1982. وبالرغم من أن إسرائيل تقول إنها ستكتسح مناطق محدودة وتبقى فيها لوقت قصير فقط، فإن تداعيات الاكتساح وما يستنهضه من مقاومة قتالية وسياسية قد توجب على إسرائيل أن تحتل ما احتلته هي ذاتها في العام 1982 أو ما هو أوسع منه وتطيل المكوث فيه. وهذا يعني أن تكرر الولايات المتحدة في لبنان على يد إسرائيل ما فعلته هي ذاتها في العراق، فتتسع ورطتها العراقية، وتمتد ساحة المقاومة الساخنة من البصرة حتى غزة مروراً بجبال لبنان ووهاده ووديانه وسهوله. كما يعني هذا أن يسقط من الادعاءات الأميركية الادعاءُ بأن هذه حرب على الإرهاب، لتتجدد دون التباس ثنائية احتلال-مقاومة، وتتسع جبهة الاحتجاج السياسي ضد الولايات المتحدة في كل مكان في العالم.

ولا بد من أن تكون الإدارة الأميركية أغبى مما هو شائع عنها إن أباحت توسيع الساحة في هذا النحو وتعريض تابعيها في بلاد المنطقة إلى ما تعرض له تابعوها في العراق، هؤلاء الذين لا يستطيع حتى رئيس حكومتهم أن ينتقل من منزله إلى مكتب عمله ما لم يحمه الأميركيون. فهل تبيح الولايات المتحدة أن تتطور الأمور في المنطقة في اتجاه توسيع مناقع الدم واللهب؟ هل ستجازف بأن يسقط ادعاؤها بأنها تشن الحرب ضد جماعات إرهابية معزولة وليس ضد شعوب ودول؟ هل يناسب الولايات المتحدة أن يشهد العالم الذي يتزايد اعتراضه على سياستها أن الذين يقاومونها في الشرق الأوسط هم طُلاب حرية مكافحون ضد احتلال؟ المنطق السديد يحمل على القول بأن الولايات المتحدة لن تسهم بنفسها في توسيع ورطتها، ولن تحرق بيديها ما تتصور هي أنه رصيد لها حققته في دنيا العرب أو دنيا المسلمين. لكن، هل بإمكان أحد أن يركن حقاً إلى أن إدارة جورج بوش ستسلك في هدي منطق سديد.

والحاصل أن الحرب على المقاومة تظل، كما كانت منذ ابتدائها في أواخر ستينيات القرن المنصرم، سجالاً. قد يضعف في جولة من جولات هذه الحرب طرفٌ بعض الضعف ويقوى آخرُ بعض القوة. وقد يضطرد هذا أو يقع ما هو عكسه في جولة أخرى. لكن، ما من طرفٍ بقادر على أن يحسم الأمر لمصلحته. ومع اضطراد هذا السجال، تغيض فرص الاستقرار، وتنطفئ وعود السلام بأسرع مما تنطفئ البروق، وتنسدّ آفاق التسويات المتوازنة.

ووقائع الأيام الثلاثة عشر الأولى في الحرب الأخيرة لم تقدم ما يقنع بأن هذا السجال سيتوقف. وها نحن نشهد ميداناً آخر من ميادين الشرق الأوسط تتصارع فيه أطراف عديدة دون أن نكون على يقين من أن أيّاً منها سيظفر بما يريد.