مسعود عكو

لو كانت تدري المليكة فيروز أن لبنانها الأخضر سيصبح أصفراً محترقاً بنيران الصواريخ, والقنابل التي تلقى على كاهله المتعب من قبل طائرات همجية, وأحمراً قانياً بدماء مئات الأبرياء, وآلاف الجرحى الذين يتوسلون الشمس لتضمد جراحهم التي مل القدر اللبناني من شفاءها فوهبها للسماء قرباناً على مذبح مسيح السلام, لو كانت تدري. ما كانت تغني لبنان الأخضر...لبنان.

لو كانت تدري أن وطن جبل الغيم الأزرق ستتحول سماءه إلى مرتع لطائرات القتل, والتدمير, والدم, وأن قمر الندي, والزنبق سيصبح وحيداً في سماء ما عاد له فيها مكان, بل أخذت الجوارح والصواريخ تأخذ حتى مرقده الذي ظل دائماً ينير ليالٍ سوداء في حياة كل لبناني نال ما نال من أهات, وآلام. لو كانت تدري لما غنت لوطنها.

لو كانت تدري أن حجل صنين بالعلالي سيغتال من أول طلقة نار عليه, وسيغادر قمم جباله إلى أمد بعيد, لو كانت تدري أنه سيخبر الحبايب عن حالها البائس, ودموعها الثكلى لما نادته خبر الحلوين يا حجل, لما غنت لحجل صنين الذي طالما كان يتوق ليطير في سماء ظل لسنين حزيناً, بائساً, يتوق لدبكة فرح.

لو كانت تدري أن الشمعة التي على دراج بعلبك, ستقد من نصفها, ويتحول ضيائها إلى ظلام دامس, وتغتال أيادي الظلام الوردة التي على سياجها, وأنه ذلك السراج التي كانت نقطة زيت فيه, دمرته آثار القدم الهمجية, ونيران الحقد, والكراهية, لو كانت تدري لما غنت لبعلبك البائس.

لبنان... كان سكوته دهراً, وصمته زمناً, وكلامه برهة. انقطعت أوصاله عن حياة من كان يحبهم, وتناثرت أشلاء قلبه المتفطر قبل تلقيه تلك اللكمات القاسية من أعتى قوى الشر في الكون, فازدادت قطيعته بين نفسه, وانهارت كل تلك الآمال, والأحلام, والأماني التي كان يعقدها على ذلك الحب, مع من كان يئن لألمه, ويبتسم لفرحه.

ترنحت كلماته, وهي تتنهد للخروج من دائرة صمتها الأزلي, فأثارت زوبعة قد أعمت أعين من كان ينتظرها, وسلمت رسالة فيها كفن, وكلمة واحدة آلمت ذلك الحجل الذي غنى للحلوين في بيروت, وبعلبك, وصنين, كلمة واحدة شامخة على جبال شاهقة عشقها المتيم بقلب ذلك البائس أطلق عنان ذلك الصوت الهادر لتأن مرة أخرى إلى لبنان الأخضر... لبنان.

كان يبكي أمام أحرفها الذهبية, وينادي قلباً قد فقد الألم من أوجاعه, وينام على آهات الفؤاد المكتوى بنار افتقادها. كيف سيطير ذلك الحجل مرة أخرى؟ بعد أن قامت كل جوارح الأرض بنتف ريشه, وسلخ جلده الذي طالما كان ناعماً, وحنوناً, وكلامه عذباً يقبقب على ذرى ذلك الجبل الهرم, وخلف تلك الغيوم الحزينة لتلقي بظلالها الكئيبة على جمراته الملتهبة بين أضلع متكسرة, وأرواح ملتوية, وكلمات تائهة.

غني يا فيروز... غني لبيروت... للبنان الأخضر... لبنان... حليانة الدنيا حليانة... بلبنان الأخضر, ولن تستطع كل نيران الأرض أن تحرق الأرز الصامد في وجه كل آلات القمع, ولهيب الغاشمين, وسترجع لياليك المضيئة بقمر الندي, والزنبق, وستبقى جبالك جبال الغيم الأزرق التي ظلت دائماً منارة يهتدي إليها كل من كان يتوق لكأس الحرية, ويسكب من ينابيعها خمراً لينسى بها أنين ليالٍ مبتورة.

لبنان الأخضر... لبنان, أصمد في وجه العدوان فشمس الحرية تشرق دائماً من بيروت, والسلام آت لا محالة, وأبقى كما أنت منارة تهدي إليك قلوب العاشقين, والبائسين, وكل من كان يبحث عن رقعة أرض يتكلم, يغني, يكتب, وينام عليها بحرية, وأمان, ويبحث عن عشق جديد, حب أبدي, وفرح يدوم ويدوم, وأعلم أنك عصي على الموت, ووقفت صامداً دائماً في وجه مدافع, وصواريخ, وقنابل الغل, والحقد الغاشمة, ولطالما كنت مثال التضحية, والفداء.

بلد الأحرار, موطن الشهداء, والأبطال, عاصمة الحرية, والكبرياء. لبنان الأخضر... لبنان, كن دائماً كما نريدك, ويريدك كل من يحبك قوياً عصياً على كل الحروب, كن كما تريدك المليكة فيروز... لبنان الأخضر... لبنان... حليانة الدنيا حليانة... بلبنان الأخضر.