عريب الرنتاوي

وحده لبنان من بين جميع الدول العربية كبيرها وصغيرها، يستطيع أن يقول "لا" للولايات المتحدة، لسبب بسيط، أن لبنان، ولبنان وحده، استطاع أن يهزم إسرائيل مرتين: الأولى في جنوب لبنان عام 2000 والثانية في هذه الأيام.

"الشقيقات الكبريات" في عالم العروبة، ترتعد فرائصها ذعرا كلما صدر تقرير عن موظف يتحدث عن "انتهاكات حقوق الإنسان" أو يعبر عن "عدم ارتياح لأمريكي لأدائها"، وتقوم قيامتها تحضيرا لزيارة يقوم بها موظف أمريكي رفيع أو غليظ، فيما لبنان الصغير في مساحته وتعداده، صار أكبر من الكبار في مقاومته وصلابته وصمود أبنائه

"الزعماء الكبار والتاريخيين" الذين تنعقد حولهم آمال الأمة ورهاناتها، يتلهون بتكديس المليارات و"كسب الرضا وصكوك الغفران" أو هم منشغلون في ترتيبات "التجديد والتوريث" فيما رئيس وزراء لبنان "التكنوقراطي، غير التاريخي" فؤاد السنيورة، يقوى على القول لرايس بأن لا تأتي إلى بيروت إلا ومعها وقفا شاملا وفوريا وغير مشروط لإطلاق النار.

قوة لبنان لم تكن يوما في ضعفه، بل في حريته وتعدديته... في عدم تغوّل الدولة على مواطنيها...قوة لبنان في "شطارة أبنائه" فالبلد المنكوب بحروبه وحروب الآخرين عليه، يتفوق على دول عدة، تفوقه في العدد والموارد وبكل معايير التنمية البشرية الشاملة، وبكل معايير العزة والكرامة الوطنيتين.

طوبى للبنان، وهو يحطم عنجهية الجيش الذي لا يقهر، ويحيله إلى قطيع من الإرهابيين الذين لا وظيفة لهم سوى الاستقواء على المدنيين والمباني السكنية والجسور والطرقات...طوبى للبنان وهو يرد الصاع صاعين، ويحول ألوف الإسرائيليين إلى "لاجئين" وهم الذين شردوا شعبا بأسره في دنيا المنافي والمغتربات والشتات...طوبى للبنان، وهو يذكرنا بأسماء بلداتنا من الشمال إلى الجنوب، وعلى إيقاع "حيفا وما بعد حيفا وما بعد ما بعد حيفا"...طوبى للبنان وهو يعيد الاعتبار لأبجديات الصراع العربي الإسرائيلي معريا دولة النازيين الجدد، وكاشفا عن عورات النظام أو بالأحرى "اللا نظام" العربي القائم.

جرح لبنان عميق وغائر، وخسائر لبنان أكبر من أن تعد وتحصى، لكن لبنان الجميل، العزيز القوي، عائد، بل وعائد بقوة وكرامة...ولن يحصد خصومه سوى الخزي والعار، فهذا الكيان الذي قام بالأساس على فكرة لا أخلاقية، يوغل في ممارساته اللا أخلاقية، ويعيد إنتاج سيرة الكيانات والنظم الاستعمارية والعنصرية والفاشية.